رسائل سرية بين السرطان والدماغ.. واكتشاف قد يوقف هذه الرحلة القاتلة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية– رانيا يوسف علي:
من منا لم يرَ بأم عينيه كيف يذوي جسد مريض السرطان يوماً بعد يوم؟.. الهزال العضلي وفقدان الوزن ليسا مجرد أعراض جانبية، بل هما من أكثر الكوابيس إرهاقاً للمريض، وغالباً ما يدفعان به نحو التدهور، ويُضعفان قدرته على مواصلة رحلة العلاج الشاقة.
فقد أظهرت دراسة جديدة، نُشرت في مجلة «ساينس» العريقة، تكشف عن مفاجأة صادمة: الهزال السرطاني ليس مجرد رد فعل عشوائي للورم داخل الجسم، بل هو نتيجة إشارات عصبية يرسلها الورم الخبيث عبر أعصاب الرئة الحسية، لتصعد بهدوء إلى الدماغ وتُحدث هناك خراباً صامتاً.
والأهم هنا أن العلماء لم يكتفوا بالكشف عن هذه الآلية، بل نجحوا في اعتراض هذه الإشارات، إما باستخدام أدوية مألوفة كالأسبرين، أو عبر تعديل النظام الغذائي للمريض، وهذا الاكتشاف، ببساطة، قد يغيّر قواعد اللعبة لملايين المصابين حول العالم.

الباحثون وفريق العمل

وحسب مجلة «ساينس» فإن هذا العمل قاده الباحث ثاليس باباجياناكوبولوس وفريقه، الذين توصّلوا إلى أن قطع الاتصال العصبي بين الورم والدماغ، أو تثبيط إنتاج مادة دهنية تُعرف بـ«البروستاغلاندين E2»، بواسطة الأدوية أو التعديلات الغذائية، أسهم بشكل حقيقي في الحد من حدة الهزال العضلي.

الهزال السرطاني.. القاتل الصامت

هنا تشير تقديرات عيادة «كليفلاند» إلى أن نحو ربع حالات الوفاة المرتبطة بالسرطان تُعزى إلى الهزال السرطاني، وهي متلازمة يفقد فيها المريض عضلاته ودهونه دون أن تكون له إرادة في ذلك، هذا الفقدان لا يُضعف البنية الجسدية فقط، بل قد يحرم المريض من القدرة على الاستمرار في العلاج نفسه.
وكانت دراسة ألمانية صدرت عام 2015 أكثر صراحة، إذ أكدت أن قرابة نصف مرضى السرطان يُصابون بهذه المتلازمة، التي لا تقتصر على السرطان، بل تمتد إلى الزهايمر وأمراض القلب، لتطول نحو 9 ملايين شخص حول العالم.

الخيط الخفي ورحلة الاكتشاف

استخدم الباحثون نموذجاً حيوياً مبتكراً من الفئران المصابة بسرطان الرئة، يحاكي المرض البشري بدقة متناهية، فتبيّن لهم أن نوعاً فرعياً واحداً من الأورام هو المسؤول عن إثارة الهزال. ورغم أن الفئران كانت تستهلك طعاماً أقل، فإن النظام الغذائي الغني بالدهون زاد الطين بلّة، وفاقم الحالة بدلاً من تحسينها، هنا، قرر الفريق البحث في دور الجهاز العصبي، وهناك وجدوا الإجابة الصادمة: «الورم يستثمر الأعصاب الحسية في الرئة كقناة لنقل إشاراته إلى الدماغ». وعندما عطّلوا هذه الأعصاب، تراجع الهزال بشكل واضح.

الدهون بين النار والنجاة

وكشف الباحثون أيضاً أن هذا الورم يُفرز كميات كبيرة من «البروستاغلاندين E2»، وهي مادة تُشتق أساساً من الدهون الحيوانية، وبخاصة أحماض «أوميغا-6» الدهنية، لكن المفاجأة كانت عندما استُبدلت هذه الدهون بأحماض «أوميغا-3»، حيث انخفض إنتاج المادة المسببة للهزال، وفقد الورم قدرته على التواصل مع الدماغ، ما حال دون تطور المتلازمة، في هذه الأثناء تجلّى بوضوح أن نوع الدهون التي نتناولها ليس مجرد رقم في سجل الحميات، بل هو مفتاح قد يحدد مسار المرض نفسه.

«الأسبرين».. سلاح قديم ومعركة جديدة

لم تتوقف النتائج عند التعديل الغذائي، بل امتدت إلى أدوية مألوفة وبسيطة، مثل «الأسبرين والإيبوبروفين»، وهما عقاران معروفان بتثبيطهما لهذه المادة الدهنية، التجارب أثبتت أن إعطاء الفئران هذه الأدوية منع ظهور الهزال أيضاً، مما يفتح الباب أمام إعادة توظيف أدوية رخيصة ومتوفرة في رعاية مرضى السرطان، وهو ما قد يحدث فرقاً كبيراً في بلداننا العربية حيث تكاليف علاجية السرطان باهظة.

آفاق جديدة

يرى الباحثون أن هذه النتائج ليست مجرد اكتشاف عابر، بل نقلة نوعية في فهم الهزال السرطاني، وتُبرز بوضوح الدور المحوري للتغذية، إلى جانب الخيارات الدوائية، في تحسين مخرجات العلاج.
ويُخطط الفريق حالياً للتعمق أكثر في دراسة الخلايا العصبية والدوائر الدماغية التي يستغلها الورم، لمعرفة ما إذا كانت تتحكم أيضاً في أعراض أخرى مرافقة، كالاكتئاب وضعف الذاكرة، ويأملون أن يقودهم هذا الفهم المتزايد إلى تطوير علاجات أكثر تخصيصاً وفعالية، تُسهم في تحسين جودة حياة مرضى السرطان على المدى البعيد.

Leave a Comment
آخر الأخبار