هل تنجح سوق دمشق الالكترونية في ضبط سعر الصرف.. أم تعيد إنتاج السوق الموازية؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سراب علي:

أعلن حاكم مصرف سورية المركزي عن إطلاق “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” في خطوة تهدف إلى تطوير آليات تسعير الصرف والانتقال نحو بيئة أكثر ديناميكية تعتمد على العرض والطلب اللحظي,
ورغم الطابع التقني المتقدم لهذه الخطوة، فإنها تثير جملة من التساؤلات الجوهرية: إلى أي مدى يمكن لهذه السوق أن تعكس قوى السوق الحقيقية في ظل القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال والعقوبات الاقتصادية؟
وما الضمانات الكفيلة بمنع التلاعب بالأسعار من قبل الفاعلين الكبار؟ وهل تستطيع هذه الآلية وحدها إنهاء دور السوق الموازية دون توفر الثقة والسيولة؟ أم أنها مجرد مرحلة انتقالية تتطلب اختباراً تدريجياً قبل الوصول إلى التشغيل الكامل؟

الفارق الجوهري

الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة حلب، الدكتور حسن حزوري، أوضح في تصريحه لـ”الحرية”، أن ما يميز السوق الجديدة عن أدوات التدخل السابقة يتمثل في طبيعتها القائمة على منصة إلكترونية مركزية توحّد مرجعية التسعير وفق آلية العرض والطلب بشكل لحظي، مع توفير بيانات أكثر شفافية وتحديثات مستمرة.
وبيّن أن الفارق الجوهري مقارنة بالمرحلة السابقة يكمن في الانتقال من نموذج التدخل الإداري الذي اعتمد على نشرات رسمية وأسعار صرف ثابتة أو مُدارة، وتمويل المستوردات، ومزادات محدودة إلى محاولة تبنّي آلية سوقية، أي يسعى المصرف المركزي إلى التحول من “تحديد السعر” إلى “إدارة منصة لاكتشافه”، ومع ذلك فإن هذا التحول لا يرقى إلى التعويم الكامل بل يظل أقرب إلى سوق منظمة تعمل تحت إشراف الدولة.

سوق مزدوجة داخل منصة واحدة

وفي معرض إجابته عن مدى قدرة المنصة على عكس قوى العرض والطلب بدقة في ظل القيود الراهنة، أوضح أن المسألة تنطوي على قدر كبير من الحساسية، فبينما يُفترض نظرياً أن تعكس المنصات الإلكترونية توازنات السوق بشكل مباشر، إلا أن الواقع السوري يفرض معوقات جوهرية، من بينها العقوبات المالية، وضعف قنوات التحويل الخارجية الرسمية، والقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، إضافة إلى محدودية احتياطي العملات الأجنبية.
ونتيجة لذلك، لا يظهر العرض الحقيقي للعملات بالكامل ضمن المنصة، ما يجعل السعر المتشكل أقرب إلى السعر الفعلي مقارنة بالتسعير الإداري السابق، دون أن يبلغ مستوى السعر الحر بشكل كامل، وهو ما يفضي إلى حالة يمكن توصيفها بـ“سوق مزدوجة داخل منصة واحدة”.
وأشار إلى أن نجاح هذه المنصة يتطلب توافر ثلاث طبقات متكاملة من الحماية، الأولى تقنية تقوم على نظام شفاف يحاكي آليات عمل البورصات، مع سجل أوامر واضح جزئياً، وإمكانية تتبع العمليات.
والثانية تنظيمية تشمل وضع حدود للمراكز المالية، ومنع هيمنة أي طرف على السوق، وفرض الإفصاح الإلزامي على المشاركين الكبار.
أما الثالثة فهي رقابية وتعتمد على المراقبة اللحظية للسوق وتوظيف خوارزميات متقدمة لرصد أنماط التلاعب.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأبرز، وفق الباحث، في محدودية عدد المشاركين، إذ إن اقتصار التداول على عدد ضيق من المصارف أو الشركات يرفع من احتمالات التلاعب، حتى في ظل وجود بنية تقنية متطورة.
ولفت حزوري إلى أن السوق السوداء ليست مشكلة تقنية، بل مشكلة ثقة وهيكل اقتصادي، والشروط الضرورية لنجاح المنصة هي ثقة المواطن (عدم تبدل القواعد فجأة)، وتوفر الدولار فعلياً، بالإضافة إلى الحرية النسبية في السحب والتحويل، واستقرار سياسي وأمني، وكذلك سياسة نقدية منضبطة (عدم تمويل العجز بالطباعة)، مشيراً إلى أنه إذا غاب أحد هذه العناصر، ستبقى السوق السوداء كـ “سوق موازية مرجعية”.
أما عن أثرها المتوقع على سعر الصرف والتضخم، فبين الباحث الاقتصادي أن هناك سيناريو طويل الأجل، فإنه قد يحدث تصحيح صعودي للسعر (تدهور الليرة)، لأن السعر سيقترب من الحقيقي بدل الرسمي، وسيناريو متوسط: إذا زادت الشفافية والسيولة، واستقرار نسبي، وانخفاض التقلبات كما ستنعكس بالبداية على التضخم المستورد: بارتفاع الأسعار، ولاحقاً إذا استقر السعر يهدأ التضخم، وإذا بقيت الفجوة يستمر التضخم .

تجارب عالمية

وأشار الباحث الاقتصادي إلى تجارب دولية مشابهة إذ أن هناك نمطان مهمان: منصات رسمية في اقتصادات مضطربة ، مصر (2016–2024): مزادات الدولار ثم الانتقال لمنصات تداول بين البنوك ، نيجيريا: منصة NAFEX لتوحيد أسعار الصرف، إيران: نظام “نيما” (NIMA) لتخصيص العملات الأجنبية.
والقاسم المشترك كما أوضح حزوري هو محاولة تقليص السوق السوداء، وتوحيد الأسعار،إدارة ندرة الدولار، وهذا ينتج عنه عادةً نجاح جزئي فقط، واستمرار السوق الموازية إذا بقيت القيود .

تكشف التضخم

وختم حزوري بالقول إن المنصة قد “تكشف التضخم” أكثر مما تخلقه، وإن مراحل ما قبل التشغيل وهي حاسمة جداً، أي سوق كهذه تمر عادة بـ:
1. الإطار القانوني وتحديد من يشارك، قواعد التداول.
2. البنية التقنية: بناء المنصة اختبار الأحمال (stress testing).
3. مرحلة تجريبية (Pilot) ← ضرورية ، تشغيل محدود بين المصارف، واختبار السيولة والسلوك
4. الإطلاق التدريجي من خلال توسيع المشاركين، وإدخال شركات الصرافة.
5. التكامل عبر ربطها بالسياسات النقدية والاحتياطي.

كما نوه حزوري إلى أنه بدون مرحلة تجريبية، مخاطر الانهيار أو التلاعب في البداية عالية جداً، لافتاً إلى أن هذه الخطوة متقدمة تقنياً ومفهومياً مقارنة بالسياسات السابقة، لكنها ليست حلاً سحرياً، ونجاحها يعتمد على الاقتصاد الحقيقي أي على القطاعات الإنتاجية والمادية زراعة صناعة بناء وتشييد، وليس على المنصة فقط.

 

 

Leave a Comment
آخر الأخبار