الحرية – إلهام عثمان:
قدمت على أكثر من 120 وظيفة خلال عام، ولم أتلق أي رد، بهذه الجملة التي تعكس مرارة سنوات من البحث، لخّص شاب سوري معاناته مع سوق العمل في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ليلاقي آلاف التفاعلات من جيل كامل يعيش ذات المأساة، لكن في الجهة المقابلة، تقبع ردود مضادة من أصحاب العمل، ملخصها أنهم يحتاجون موظفين «جادين» لكنهم لا يجدونهم.
مفارقة سورية تطرح بامتياز: وفرة في الباحثين عن العمل، ونقص في الموظفين، وتباعد بين الطرفين رغم التقائهم في المكان والزمان ذاته. هذا التناقض لا يعكس نقصاً في الكفاءات ولا شحاً في الفرص، بل غياب وسيط توظيفي موضوعي يقوم على المطابقة العلمية بين متطلبات العمل ومهارات المتقدمين فهل يكمن الحل في تغيير سلوك الطرفين، أم إن السوق بحاجة إلى ثورة في آليات التوظيف نفسها؟ سؤال يطرح نفسه بقوة.
غياب المعايير يضاعف الأعباء
الملاحظ أن كثيراً من إعلانات الوظائف في سوريا تخلو من تحديد دقيق للمهام والراتب المتوقع، فيما يقدم الباحثون سيرهم الذاتية دون تمييز هذا ما بيّنه الخبير والمستشار الاقتصادي هشام نوفل، عبر حديث مع «الحرية»، ما ينتج عنه ازدحام رقمي يصعّب على إدارات الموارد البشرية عملية التصفية، ليضيع معه الوقت والجهد من الطرفين.
متوسط الأجور بين الواقع والطموح
وأوضح نوفل أن قضية الأجور تبرز كأحد أبرز التحديات، فوفق تقديرات غير رسمية، وبعد الزيادات الأخيرة التي أقرتها الحكومة، يتراوح متوسط الراتب الشهري في القطاع العام بين 1.2 و1.5 مليون ليرة سورية (نحو 120-150 دولاراً أميركياً)، في حين يشهد القطاع الخاص تفاوتاً كبيراً تبعاً للمهارة والقطاع والمنطقة.
غير أن هذه الأرقام، وفق رؤية نوفل، تبقى متواضعة جداً مقارنة بتكاليف المعيشة المتصاعدة، حيث تشير شهادات بعض الموظفين إلى أن الراتب الشهري لا يكفي لتغطية المصاريف الأساسية، ما يضع العاملين أمام معادلة صعبة بين الحاجة الماسة إلى العمل وعدم كفاية الدخل لتأمين الحياة الكريمة.
حلول عملية ومقترحات منهجية
ولمعالجة هذا الخلل، يرى نوفل أن الحل لا يكمن في إلقاء المسؤولية على طرف دون آخر، بل في تبني منهجيات حديثة تراعي الظروف المحلية، ومن أبرزها: ضرورة أن يحدد صاحب العمل في إعلانه متطلبات الوظيفة الأساسية مع ذكر الراتب والمزايا، وأن يتوقف الباحث عن العمل عن التقديم العشوائي ويركز على الفرص المتطابقة مع مهاراته، مع إعداد سيرة ذاتية مخصصة لكل مجال عمل كما دعا إلى تشجيع استخدام المنصات الرقمية الموثوقة التي تعتمد على المطابقة الإلكترونية بين مؤهلات المتقدم واحتياجات الوظيفة، وإتاحة مساحة للتواصل المباشر بين الطرفين عبر قنوات مهنية مختصرة.
غياب الأدوات الذكية
الخلل الحقيقي، وفق نوفل، ليس في نوايا أصحاب العمل ولا في حماسة الباحثين، بل في غياب الأدوات الذكية القادرة على فرز الطلبات وتوجيهها بما يخدم الطرفين، إضافة إلى حاجة السوق السوري إلى ثقافة توظيفية جديدة تقوم على الشفافية والدقة والموضوعية، بعيداً عن العشوائية أو الاعتماد على العلاقات الشخصية.
ويضيف نوفل في معرض تعليقه على واقع الأجور: «المتوسطات الحالية، سواء في القطاعين العام أو الخاص، لا تعكس قيمة العمل الحقيقية ولا تراعي تضخم الأسعار، إنما هي أرقام إسعافية قد تخفف مؤقتاً لكنها لا تشكل حلاً جذرياً» لافتاً إلى أن العدالة تقتضي ربط الأجور بسلة غلاء معيشية محدثة دورياً وبإنتاجية العامل، وهو ما يحتاج إلى إرادة اقتصادية وتشريعية أوسع.
ضرورة اقتصادية واجتماعية
وختم نوفل بالقول إن تطوير آليات التوظيف في سوريا لم يعد رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية، إذ يرتبط به تحسين إنتاجية القطاع الخاص وتخفيف معاناة الشباب الباحثين عن فرص عمل تليق بطاقاتهم ومع استمرار غياب المنهجيات الرقمية الذكية التي تراعي الواقع السوري، وإعادة النظر في سياسات الأجور بما يتناسب مع غلاء المعيشة، ستستمر الفجوة بين العرض والطلب، ويظل السوق أسير دوامة الإحباط المتكرر.