صفر جمارك.. انفتاح تجاري لإعادة تفعيل أدوات السياسة الاقتصادية واختبار الصناعة السورية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك :

يبرز تطبيق سياسة “صفر جمارك في سوريا” كإحدى الأدوات المطروحة لدعم التبادل التجاري وتخفيف القيود على الاستيراد، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح التجاري وتنشيط حركة الأسواق.

غير أن هذا التوجه يفتح في الوقت ذاته نقاشاً حول مدى جاهزية الصناعة المحلية لمواكبة هذه المرحلة، في ظل تحديات مرتبطة بتكلفة الإنتاج وظروف التشغيل.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم في تصريحه لـ”الحرية” أن صفر جمارك لا يمكن التعامل معه كحل مستقل، بل هو جزء من منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تكلفة الإنتاج، وسعر الصرف، والتمويل، والبنية التحتية، مشيراً إلى أن تحقيق أثر ملموس يتطلب معالجة متوازنة لهذه العناصر مجتمعة.

عملياً، تتجه الأسواق نحو مزيد من الانفتاح، ما يتيح دخول منتجات مستوردة بأسعار تنافسية، في وقت لا تزال فيه كلف الإنتاج المحلية مرتفعة نسبياً نتيجة عوامل متعددة، أبرزها الطاقة والنقل والتمويل، ويشير بعض الصناعيين إلى أن هذا الواقع يتطلب إجراءات مرافقة تعزز من قدرة المنتج المحلي على المنافسة داخل السوق.

ويكشف عبد الكريم أن الإيرادات الجمركية شكّلت نحو 39% من موازنة عام 2025، ما يعكس أهمية هذا المورد، مقابل الحاجة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل.

ومن زاوية تحليلية، يبيّن أن أثر الجمارك على السعر النهائي يتراوح بين 5% و20%، في حين تمثل تكلفة الإنتاج ما بين 70% و85% من السعر، ما يشير إلى أن التنافسية ترتبط بدرجة أكبر بعوامل داخلية في العملية الإنتاجية.

وتتوزع هذه التكلفة على مجموعة من التحديات، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة، وصعوبات التمويل، وتكاليف النقل، إضافة إلى تحديات تتعلق بالكوادر والسياسات الصناعية.

وفي هذا الإطار، يشير عبد الكريم إلى أن الفجوة بين تكلفة الإنتاج المحلي وأسعار السلع المستوردة لا ترتبط فقط بالعوامل الداخلية، بل أيضاً بطبيعة الأسواق المفتوحة التي تتيح دخول منتجات من دول تمتلك مزايا إنتاجية أكبر، سواء من حيث تكلفة الطاقة أو مستويات الدعم أو كفاءة سلاسل التوريد.

ويؤكد “عبد الكريم” أن هذا الواقع يضع الصناعة السورية أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في ضرورة تحسين الكفاءة الإنتاجية من جهة، والتكيف مع بيئة تنافسية أكثر انفتاحاً من جهة أخرى، ما يفرض إعادة النظر في أولويات الدعم والسياسات الصناعية خلال المرحلة المقبلة.

ورغم ذلك، يرى أن الانفتاح التجاري لا يُنظر إليه بالضرورة كعامل ضغط على الصناعة، بل يمكن أن يشكّل فرصة حقيقية لتحفيز وتطوير بيئة الإنتاج، خاصة إذا ترافق مع سياسات داعمة، مثل تحسين كفاءة الطاقة، وتوسيع أدوات التمويل، وتعزيز التدريب المهني، إلى جانب اعتماد مقاربات انتقائية لدعم بعض القطاعات.

ويضيف الباحث الاقتصادي إن التجارب الدولية أظهرت أهمية تحقيق توازن بين الانفتاح وحماية الإنتاج، من خلال مراحل تدريجية تتيح للصناعات المحلية تعزيز قدرتها التنافسية قبل الانخراط الكامل في الأسواق المفتوحة.

وفي الحالة السورية، يبرز هذا التوازن كخيار عملي، يقوم على دعم الصناعات القابلة للنمو والتصدير، بالتوازي مع تحرير مدروس للأسواق، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية.

كما يلعب الاستقرار النقدي دوراً محورياً في دعم هذا المسار، إذ إن تقليص الفجوة بين أسعار الصرف يسهم في تحسين بيئة الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتجات المحلية.

وفي ضوء ذلك، يندرج “صفر جمارك” ضمن مسار أوسع لإعادة تفعيل أدوات السياسة الاقتصادية، حيث تبقى تكلفة الإنتاج وتطوير البيئة الصناعية من العوامل الأساسية في تحديد قدرة الصناعة السورية على الاستفادة من فرص الانفتاح.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار