«طيور» عمار الشوا.. رموز مفتوحة على معان متعددة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

لا يهدأ الفنان التشكيلي عمار الشوا على حالة فنية واحدة، فطالما شكّل التنويع هاجساً في شواغل اللوحة عنده، وقد اختار مرات كثيرة شواغل قد لا تخطر على بال فنان، عندما خصص ذات حين معرضاً كانت شواغله «السيارات القديمة» التي اشتغل من خلالها على ذاكرة «الأغراض» القديمة، والتي لوّن من إدراجها الكثير من التكوينات لسيارة تسرد الكثير من الحكايا.

الطيور وأشكالها

غير أن «أمر» الطير في تجربة الشوا فهو أمر لافت حقاً، هذا الطير الذي نوّع على مفردته في عشرات اللوحات، في حالات إنسانية متعددة ومختلفة، هنا يمكن القول إنه في التجارب التشكيلية الناضجة لا تتكرر العناصر بوصفها مفردات زخرفية، بل تتحول إلى علامات دلالية تحمل مشروع الفنان ورؤيته للعالم، وهنا تأتي الطيور لا لترفرف بقدر ما تشكل واحدة من أكثر المفردات حضوراً واستمراراً في منجز الفنان البصري، حتى تبدو وكأنها خيط سري يربط بين عوالمه المختلفة، من المشهد الطبيعي الحالم إلى الفضاءات الوجودية والإنسانية الأكثر كثافة وقلقاً.

الرموز المفتوحة

لا تظهر الطيور عند الشوا ككائنات طبيعية فحسب، بل بوصفها رموزاً مفتوحة على معانٍ متعددة، فهي مرة مرادف للحرية والانعتاق، ومرة شاهدة على العزلة، وأحياناً وسيط بين الأرض والسماء، وبين الواقع والحلم، وبين الإنسان ومصيره الغامض، ومرة الطائر بوصفه روحاً للمكان.

طيور البنفسج

في إحدى اللوحات، حيث تتناثر الطيور البنفسجية بين كتل نباتية وأزهار متوهجة وألوان شفافة، يخلق الشوا عالماً أقرب إلى الفردوس المتخيل منه إلى الطبيعة الواقعية.
هنا تتخفف الطيور من ثقل الجسد لتصبح جزءاً من إيقاع اللون نفسه، فالأجنحة المفتوحة لا توحي بالحركة فقط، بل تمنح اللوحة إحساساً بالتحليق الجماعي داخل فضاء شعري، واللون البنفسجي، الذي يتكرر في أجساد الطيور، يضفي عليها بعداً روحياً وتأملياً، ويجعلها أشبه بأرواح تتنقل بين طبقات المشهد، إن الطائر هنا ليس موضوعاً مرسوماً، بل هو الطاقة التي تحرك اللوحة من الداخل.

الطائر الأزرق

وفي لوحة الكرسي الفارغ، ينتقل الفنان إلى فضاء مغاير تماماً، إذ يتوسط الكرسي المشهد بوصفه علامة على غياب إنساني واضح، فيما يستقر طائر أزرق على المقعد، ويظهر طائر أسود قرب الأرض كأنه حارس للفراغ، هنا تتبدل وظيفة الطيور؛ فهي لم تعد رمزاً للانطلاق، بل تحولت إلى كائنات تؤثث الغياب، فالكرسي الفارغ يستدعي شخصاً غادر أو زمناً انقضى، بينما تبدو الطيور كأنها آخر الشهود على هذا الرحيل.
يعتمد الشوا في هذه اللوحة على مفارقة بصرية مؤثرة: الجماد (الكرسي) يحتل مركز المشهد، بينما تتراجع الحركة إلى أطرافه، وبذلك يصبح الطائر رمزاً للذاكرة التي تحوم حول الأماكن المهجورة، لا للحرية التي تغادرها.

 لعبة المصير والحظ

وفي اللوحة التي تجمع طائراً داكناً مع زوج من النرد فوق وعاء معدني، تتجسد واحدة من أكثر الثيمات الفلسفية وضوحاً في أعمال الشوا، فالنرد، بوصفه رمزاً للمصادفة والاحتمال، يقابل الطائر الذي طالما ارتبط بالحدس والبصيرة والرؤية من الأعلى، يقف الطائر هنا في حالة مراقبة وتأمل، وكأنه يتفحص لعبة الحياة نفسها، هل المصائر نتاج الصدفة؟ أم أن هناك حكمة خفية تحكم مسار الأشياء؟ وفي السياق اللوني، لا يقدم الفنان إجابة مباشرة، بل يترك العلاقة بين الطائر والنرد مفتوحة على التأويل، وهذه إحدى نقاط قوة العمل، إذ يتحول المشهد البسيط إلى سؤال وجودي حول القدر والاختيار والاحتمال.

الجماعة والبحث عن الخلاص

وكذلك في لوحة الطيور المتكاثرة بين الأعشاب الذهبية، يغادر الشوا الفردية نحو المشهد الجمعي، هنا عشرات الطيور تتوزع داخل فضاء نباتي كثيف، بينما ترتفع بعض الأجنحة فوق السرب في حركة توحي بالبحث عن مخرج أو أفق جديد، يمكن قراءة هذا العمل باعتباره استعارة للمجتمع الإنساني؛ فالسرب هنا ليس مجرد تجمع بيولوجي، بل صورة لجماعة تتقاسم المصير ذاته، وتتجاور داخل اللوحة حالات السكون والتحليق، وكذلك الخوف والرغبة، والبقاء والمغادرة، وتأتي الألوان الحارة والخطوط الصاعدة لتمنح المشهد توتراً ديناميكياً، وكأن الطيور تعيش لحظة انتقال بين واقع ضاغط وحلم بالانفلات منه.

طائر أسود وامرأة شابة

وفي اللوحة التي تجمع امرأة شابة وطائراً أسود، يبلغ الرمز ذروة نضجه التعبيري، فالطائر هنا ليس عنصراً مستقلاً، بل يبدو امتداداً نفسياً للشخصية الإنسانية، فالنظرة المتأملة للمرأة، والأفق الداكن خلفها، والقرب الحميم بين الكائنين، كلها عناصر تشير إلى علاقة داخلية عميقة، يتحول الطائر إلى قرين روحي أو ظل نفسي، وربما إلى تجسيد للأفكار والهواجس التي لا تُرى.

يُشار إلى أنه في تاريخ الفن ارتبط الطائر كثيراً بالروح والحدس والرسائل الغامضة، وهنا يستثمر الشوا هذا الإرث الرمزي ليمنح عمله بعداً إنسانياً مؤثراً، فالمشهد لا يتحدث عن امرأة وطائر، بل عن حوار صامت بين الذات وما يسكن أعماقها.

لغة اللون

ما يلفت الانتباه في هذه الأعمال أن الفنان الشوا لا يلتزم بالواقعية اللونية للطيور، فهو يمنحها ألواناً بنفسجية وزرقاء وسوداء كثيفة، الأمر الذي يحررها من وظيفتها التمثيلية ويحولها إلى علامات رمزية، فالبنفسجي غالباً ما يحيل إلى التأمل والروحانية، بينما يوحي الأسود بالغموض والحداد والذاكرة، في حين يمنح الأزرق إحساساً بالسكينة والبعد الحلمي، ومن خلال هذا التنويع اللوني، ينجح الشوا في توسيع الحقل الدلالي للطائر الواحد، بحيث تتغير معانيه تبعاً للسياق التشكيلي الذي يظهر فيه.

في الختام

تكشف هذه الأعمال أن الطيور في تجربة عمار الشوا ليست مجرد موضوع متكرر، بل هي بنية رمزية مركزية تحمل جوهر مشروعه الفني، إنها تتحرك بين الحلم والواقع، وبين الحرية والعزلة، وبين المصادفة والقدر، لتصبح وسيطاً بصرياً يُعبّر من خلاله الفنان عن أسئلته الوجودية والإنسانية.
وإذا كانت بعض التجارب الفنية تُعرف بلون أو تقنية أو موضوع محدد، فإن تجربة عمار الشوا تبدو قابلة لأن تُقرأ من خلال هذا الكائن الرشيق الذي يتكرر في لوحاته باستمرار: الطائر بوصفه استعارة كبرى للروح الإنسانية؛ روح تبحث دائماً عن سمائها الخاصة، حتى وهي محاطة بأسئلة الأرض الثقيلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار