سوريا في واشنطن.. عودة إلى طاولة المال الدولي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – رشا عيسى:

تعودُ سوريا إلى واجهة النقاش الاقتصادي الدولي، من بوابة اجتماعات الربيع في واشنطن، محاولةً كسر عزلةٍ طويلة بخطوات محسوبة لا تحتمل القفز فوق الوقائع، في هذا الحضور، لا تبحث دمشق عن تمويلٍ سريع بقدر ما تسعى إلى إعادة وصل ما انقطع، وفتح قنواتٍ تقنية تعيدها تدريجياً إلى خريطة المؤسسات المالية العالمية، غير أن الطريق، كما يراه الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي المتخصص في الاقتصاد القطاعي والإنتاجي الدكتور هشام الخياط، لا يزال محكوماً بتوازنٍ دقيق بين متطلبات الإصلاح وضغوط الداخل، وبين وعود الدعم الخارجي وشروطه الثقيلة.
يضع الدكتور الخياط هذه المشاركة في إطار «المسار التدريجي لإعادة بناء الثقة»، مشيراً إلى أنها تمثل المشاركة الثانية على التوالي بعد عودة التواصل الرسمي، بما يعكس تحوّلاً بطيئاً ولكنه ملموس في علاقة دمشق مع المؤسسات المالية الدولية.

مشاركة بلا تمويل

ويضم الوفد السوري وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية، ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش، وعدداً من المسؤولين، حيث جرت مناقشات تقنية تناولت إصلاحات القطاع الصحي، وبناء القدرات المالية، إلى جانب خطط تعافٍ طموحة مثل مشروع «سوريا بدون مخيمات» وبرامج الحد من الفقر.
لكن، كما يؤكد الدكتور الخياط لـ”الحرية”، فإن «المشاركة في الاجتماعات» لا تعني بالضرورة «الحصول على تمويل». الفارق هنا جوهري، أي المشاركة وتعني الانخراط في حوار تقني ودبلوماسي، وتبادل الخبرات، وطلب المساعدة الفنية، بما يشمل تدريب الكوادر وتحسين أدوات إعداد الموازنات.
أما التمويل فهو مسار أكثر تعقيداً، يتطلب موافقات رسمية من مجالس الإدارة، وتنفيذ إصلاحات ملموسة، وتسوية ديون سابقة، والالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية… بمعنى آخر، ما يجري اليوم هو فتح الباب، لا عبوره.

بين الممكن والمؤجل

ووفق الخياط، فإن فرص حصول سوريا على تمويل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي «متوسطة وتميل إلى التحسن التدريجي»، لكنها بعيدة عن أي تدفقات كبيرة أو فورية.
فمنذ عام 2025، استأنفت دمشق التواصل التقني مع صندوق النقد، بما في ذلك زيارات ميدانية ودعم في إعداد موازنة 2026 وإدارة الدين العام، ويركز الصندوق حالياً على ما يُعرف بـ«بناء القدرات» بعد انقطاع دام 14 عاماً، مع تسجيل مؤشرات أولية مثل تحقيق فائض طفيف في موازنة 2025 وتباطؤ نسبي في التضخم.
أما البنك الدولي، فقد شهدت العلاقة معه تطوراً لافتاً بعد تسوية المتأخرات المالية (نحو 15.5 مليون دولار) بدعم خليجي، خصوصاً من السعودية وقطر. وقد تُرجم ذلك بالموافقة على منحة بنحو 20 مليون دولار لتعزيز الإدارة المالية العامة.
والنقاشات جارية حول مشاريع في قطاع الكهرباء وتسعى سوريا، بحسب الخياط، إلى الحصول على حزمة منح تصل إلى مليار دولار خلال ثلاث سنوات، إلا أن هذا الهدف يبقى مشروطاً بتقدم الإصلاحات وتسوية أوسع للديون.

بوابة الإصلاح الإلزامي

لا يتحرك البنك الدولي في بيئات ما بعد النزاعات بخفة، وشروطه، كما يشرح الخياط، صارمة ومركّزة على الاستدامة، وتشمل
تسوية الديون المتأخرة إصلاحات مالية ومؤسسية، خاصة في الشفافية ومكافحة الفساد، تعزيز الإدارة المالية العامة (PFM)، مع توجه واضح نحو الرقمنة.

ضمان الحوكمة

توجيه التمويل نحو القطاعات ذات الأثر الاجتماعي كالصحة والتعليم والكهرباء، و إجراء تقييمات مستقلة للأضرار والاحتياجات، في ظل تقديرات تضع تكلفة إعادة الإعمار عند نحو 216 مليار دولار، هذه الشروط ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز، إذ تعكس مستوى الثقة الدولية وحدودها.

بين الواقعية والمبالغة

الحديث عن «إعادة إعمار قريبة بتمويل دولي» يبدو، وفق توصيف الخياط، «مبالغاً فيه على المدى القصير»، وتحديداً خلال 2026–2027.
والأرقام هنا حاسمة، وتكلفة إعادة الإعمار تعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي. في المقابل، ما يُطرح حالياً لا يتجاوز منحاً صغيرة ومساعدات تقنية.لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يقع على التمويل الدولي وحده، بل على الاستثمار الخاص، والشراكات الإقليمية، خصوصاً الخليجية.

تنشيط الإيرادات المحلية

أما المؤسسات الدولية، فهي تميل إلى دعم نموذج «تعافٍ يقوده القطاع الخاص»، لا إلى تمويل شامل ومباشر.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا يعني كل ذلك للسوري العادي؟ يجيب الخياط إن أي تمويل مستدام — إذا تحقق وأُدير بكفاءة — يمكن أن ينعكس تدريجياً على تحسن خدمات الكهرباء والصحة والتعليم، وإيجادفرص عمل عبر مشاريع البنية التحتية، واستقرار نسبي في الأسعار، وعودة جزئية للاستثمارات واللاجئين.
لكن هذا الأثر مشروط بالشفافية، فبدون إدارة رشيدة، قد يبقى التمويل بلا انعكاس ملموس، أو حتى يتحول إلى مصدر إضافي لفقدان الثقة.

ضرورة محفوفة بالمخاطر

الإصلاح الاقتصادي في السياق السوري ليس خياراً سهلاً، والإجراءات المطلوبة — مثل رفع الدعم أو زيادة الضرائب — تحمل تكلفة اجتماعية واضحة، كارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط إضافي على الفئات الفقيرة، احتمال تباطؤ النشاط الاقتصادي، ومخاطر توتر اجتماعي أو سياسي.
ويحذر الخياط من أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب «مقاربة تدريجية»، تترافق مع شبكات حماية اجتماعية فعالة، ودعم مباشر للفئات الأكثر هشاشة، وشفافية في التواصل مع المواطنين.

مفتاح موازٍ

الدور الخليجي، خصوصاً في تسوية الديون، لا يمكن فصله عن المشهد، هذا الدعم لا يفتح فقط أبواب التمويل الدولي، بل يعيد إدماج سوريا في شبكة علاقات اقتصادية عربية أوسع.
غير أن هذا المسار يفرض توازناً دقيقاً بين الانفتاح الخارجي والحفاظ على قرار اقتصادي وطني مستقل.

التحدي الأكبر

يرى الدكتور الخياط أن التحدي الحقيقي ليس مالياً بقدر ما هو مؤسساتي، وبناء الثقة — داخلياً وخارجياً، وتبنى الثقة عبر
مكافحة الفساد، وتحسين الحوكمة، وتمكين القطاع الخاص، والاستثمار في رأس المال البشري.

Leave a Comment
آخر الأخبار