الحرية – لبنى شاكر:
يتبرأ القائمون على عدد من المشاريع الثقافية من فكرة الربح، كما لو أنها تتعارض مع أي إنجاز آخر، ويُسارع هؤلاء إلى التأكيد على أن غايتهم أبعد وأكثر أهمية.
لكن ما يحصل معظم الوقت هو أن تلك المحاولات لرفد المشهد الثقافي العام تتوقف لأسباب عديدة، معظمها يتعلق بالمال، بدءاً من التمويل والمبالغ اللازمة لاستئجار القاعات والمعدات كأجهزة الصوت والإضاءة والشاشات، إلى غيرها مما يلزم للتعاون مع أشخاص أو فرق أو جهات معنية بالتشكيل أو المسرح أو الموسيقا، وما إلى ذلك.
وفي حال فكر أصحاب المبادرات بنقلها إلى محافظة أخرى، فالإشكاليات ستتضاعف، وفي مقدمتها أجور النقل.
أفكار وآمال انتهت قبل أن تبدأ فقط لأن الحالمين بتحقيقها رفضوا البحث عمن يساعدهم
خلال أعوام مضت، كنا شهوداً على أفكار وآمال انتهت قبل أن تبدأ، فقط لأن الحالمين بتحقيقها رفضوا البحث عمن يساعدهم، بحجة الخوف من أن يتسلم غيرهم إدارتها أو توجيهها.
لم يعترف هؤلاء بحاجتهم إلى الدعم مادياً ومعنوياً، ظنوا أن امتلاءهم معرفياً يؤهلهم القدرة على الإدارة والاستمرارية، خافوا أن تُنسب خلاصة تجاربهم إلى آخرين، حتى فضل بعضهم وأدها على أن يقودها من هو أجدر.
ربما نسوا أن الأفكار قابلة للتطور والتقدم، وأن مشاركتها تزيدها غنى وأهمية، ولا يعني هذا بالضرورة سرقتها أو الاستئثار بها، بقدر ما يسمح بمزيد من الاستفادة والتنافس، والمصلحة هنا فردية وجماعية في وقت واحد.
بعض الأفكار لا تستحق أن تتحول إلى مشاريع، بعضها اعتيادي وفاقد للجدوى سلفاً، هناك ما هو مضحك لكنه قابل للتطبيق والانتشار، وهناك أيضاً ما هو محدود الأفق لكنه يجد دعماً من مختلف الجهات.
أحدهم يعمل منذ سنوات على مشروع ثقافي ليس أكثر من ثرثرة، والمفارقة أن سيل الكلام المجاني سيتحول إلى كتاب مطبوع قريباً، ربما يجد طريقه إلى رفوف المكتبات، لكنه لن يكون أفضل حظاً مما كان عليه قبل تنضيده على الورق، ومع ذلك، يمتلك هذا «الباحث» الجرأة ليقول إن لديه مزيداً من المشاريع والأفكار، الخوف أن يعرف أحد بها فيسرقها.
وسط هذه الفوضى، برز صنف جديد أفرزته فضاءات العالم الافتراضي: «المؤثرون» و«البلوغرز»، الذين أدركوا مبكراً شيفرة اللعبة التي عجز عنها المثقف التقليدي.
والأهم ربما أنهم لا يعانون من عقدة الخوف على الأفكار، ببساطة لأن عدداً منهم لا يملكها أصلاً، لكنهم يمتلكون ما هو أهم في زمننا: أدوات التسويق، وجرأة الظهور، والقدرة على تحويل أصغر التفاصيل وأكثرها هامشية إلى «تريند» جاذب ومربح.
«المؤثرون» و«البلوغرز» أدركوا مبكراً شيفرة اللعبة التي عجز عنها المثقف التقليدي
يحظى هؤلاء بدعم كبريات المنصات والجهات، بعيداً تماماً عن الشكل الاعتيادي الذي عرفناه طويلاً للفعل الثقافي، حتى يبدو أحياناً أن الساحة متروكة كلياً لهؤلاء، الذين يجيدون استغلال اللحظة ومن ثم إطالة أمدها قدر المستطاع.
والمفارقة أن الخجل من فكرة الربح والدعم التي بدأنا الحديث عنها، تشعبت باتجاهات مختلفة، أبرزها ما يتعلق بفكرة التسويق الرقمي، ففي حين لا يزال المثقف مهتماً بالندوات والمحاضرات، ذات الجمهور المحدود جداً، تمتلئ الساحة الافتراضية بصناع المحتوى السريع، الذين يعيدون منذ زمن تشكيل ذائقة المتلقي السوري وفق معايير «اللايك» و«الشير».
ولا مبالغة في القول إنهم يديرون سوقاً حقيقية للأفكار، بل ينجح بعضهم في بناء ارتباط حقيقي مع الجمهور، ولو قال لهم «هذا الكتاب يستحق القراءة» أو «هذا المعرض جدير بالزيارة»، سيذهبون لما قال، أياً كانت الحقيقة.
من دون أن يفوتنا سؤال آخر: لماذا يعجز المثقف معظم الوقت عن أن يصبح مؤثراً في محيطه؟
في المحصلة، المعايير تتغير، ولم يعد امتلاك الأفكار مرهوناً بنجاحها أو إمكانية البناء عليها، وبطبيعة الحال اختلفت فكرة الربح والمردود والقيمة، حتى أن الحديث عن المثقف بالطريقة التي اعتدناها بات مملاً.
والعبرة اليوم ليست فيمن يملك الفكرة، بل فيمن يملك النفس الطويل ليجعلها باقية وأصيلة ومؤثرة، قادرة على المنافسة وإثبات الحضور.