هل بدأت فعلاً ساعة الضغط الأمريكي على «إسرائيل»؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – سامر اللمع:

في السياسة الأمريكية، يثير الحديث عن وقف المساعدات العسكرية لـ«إسرائيل»» حساسية كبيرة قد تثير تداعيات واسعة في أوساط لوبيات الضغط اليهودي في أمريكا، لذلك لم يكن منشور النائب الجمهوري توماس ماسي على منصة «إكس» يوم أمس حدثاً عابراً، عندما دعا إلى وقف المساعدات الأمريكية لمدة شهر، لإجبار «إسرائيل»» على التوقف عن قصف جيرانها والسير نحو سلام فوري.

الأهمية الحقيقية في كلام ماسي لا تكمن في مضمونه فقط، بل في صدوره عن نائب جمهوري، أي من داخل المعسكر السياسي نفسه الذي يُنظر إليه تقليدياً باعتباره الأكثر دعماً لـ«إسرائيل»، ولهذا أثارت تصريحاته سؤالاً حول اتساع دائرة القلق داخل واشنطن من أن تتحول الحروب الإسرائيلية المتعددة إلى عبء مباشر على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

مكالمة تكشف ما وراء الكواليس

تزامنت تصريحات ماسي مع تقارير إعلامية تحدثت، وفقاً لمصدرين حكوميين أمريكيين، عن مكالمة متوترة حصلت أول أمس بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طالب خلالها ترامب بعدم استهداف بيروت وعدم توسيع دائرة المواجهة في لبنان.

وسواء كانت تفاصيل المكالمة دقيقة بالكامل أم لا، فإن مجرد تداولها إعلامياً على نطاق واسع يعكس حقيقة سياسية يصعب تجاهلها، وهي أن هناك فجوة آخذة في الاتساع بين الحسابات الأمريكية والحسابات الإسرائيلية.

في هذا، تنظر «إسرائيل» إلى صراعات المنطقة من زاوية أمنية وعسكرية توسعية مباشرة، بينما تنظر واشنطن إليها من زاوية تتعلق بأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي، والعلاقات مع الدول العربية، ومستقبل المواجهة مع إيران.

ترامب يريد صفقة لا حرباً مفتوحة

يحاول الكثيرون من المحللين السياسيين رسم صورة عن ترامب باعتباره رئيساً يفضل المواجهة العسكرية، إلا أن البعض الآخر منهم يرون أن مواقف ترامب الأخيرة تظهره بأنه يميل إلى سياسة تقوم على الضغط الحاد لتحقيق الصفقات، لا الانخراط في حروب طويلة ومكلفة.

ويبدو أن إدارة ترامب باتت تدرك أن أي تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان أو أي ساحة أخرى يهدد بإفشال أهم الملفات التي تسعى واشنطن إلى إدارتها في المنطقة، وفي مقدمتها الاتفاق مع إيران وأمن الملاحة الدولية.

فالولايات المتحدة تعي أن استمرار التوتر الإقليمي يرفع احتمالات تعطيل حركة التجارة والطاقة، ويجعل أي تفاهم مستقبلي مع طهران أكثر صعوبة وتعقيداً.

مضيق هرمز.. كلمة السر

خلف التصريحات السياسية والعناوين العسكرية، يبرز عامل أكثر أهمية: مضيق هرمز، فهذا الممر البحري ليس مجرد نقطة جغرافية، بل شريان اقتصادي عالمي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه يعني استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وإرباك الأسواق الدولية.

من هذه الزاوية، تبدو واشنطن أكثر حرصاً من أي وقت مضى على منع انفجار إقليمي واسع، لذلك فإن الضغوط الأمريكية على «إسرائيل» لا ترتبط فقط بوقف القصف أو حماية المدنيين، بل أيضاً بحسابات استراتيجية تتعلق بالاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

هل تملك واشنطن أوراق ضغط حقيقية؟

السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع أمريكا بالفعل إجبار «إسرائيل» على تغيير سلوكها؟

نظرياً، نعم، فالولايات المتحدة تمتلك الورقة الأهم وهي المساعدات العسكرية والدعم السياسي والدبلوماسي لـ«إسرائيل» ومن دون هذا الغطاء، ستجد حكومة نتنياهو نفسها أمام بيئة دولية أكثر تعقيداً.

لكن عملياً، تبدو الصورة أكثر تشابكاً، فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب ليست علاقة مانح ومتلقٍ فقط، بل شراكة استراتيجية عميقة تشارك فيها اعتبارات سياسية وأمنية وانتخابية داخل الولايات المتحدة نفسها.

لهذا وضع النائب الجمهوري توماس ماسي ضغطاً خجولاً على «إسرائيل»، حيث حدد في منشوره فترة وقف المساعدات لمدة شهر واحد فقط، وهذا يعكس توجهاً في أوساط إدارة ترامب أن أي ضغط أمريكي لن يأخذ غالباً شكل القطيعة أو العقوبات المستمرة، بل سيظهر عبر ضغوط آنية متدرجة ورسائل سياسية لمحاولة تحديد سقف التحركات العسكرية الإسرائيلية.

الشرق الأوسط أمام لحظة اختبار

ما يجمع بين منشور ماسي والتقارير عن المكالمة المتوترة بين ترامب ونتنياهو هو أنهما يرسلان رسالة واحدة، تشير إلى أن الصبر الأمريكي لم يعد مفتوحاً كما كان في السابق.

لا يعني ذلك أن واشنطن بصدد التخلي عن «إسرائيل»، لكنه قد يعني أنها أصبحت أقل استعداداً لتحمل كلفة حرب مفتوحة ومستمرة.

المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً أمريكية أكبر لاحتواء التصعيد، ليس بدافع تغيير الموقف من «إسرائيل»، بل بدافع حماية المصالح الأمريكية نفسها.

وفي حال أصبح تحقيق تفاهم مع إيران وتأمين الملاحة في مضيق هرمز أولوية ملحة، فقد تجد «تل أبيب» نفسها أمام مستوى متصاعد من الضغوط السياسية القادمة من أقرب حلفائها.

وعندها لن يكون السؤال ما إذا كانت أمريكا قادرة على الضغط على «إسرائيل»، بل إلى أي مدى أصبحت مستعدة لاستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

Leave a Comment
آخر الأخبار