الحرية– حسن العجيلي:
مع التحولات التي شهدتها مفاهيم الإدارة الحديثة خلال السنوات الأخيرة، لم تعد المؤسسات تنظر إلى أماكن العمل باعتبارها مجرد فضاءات لتنفيذ المهام وتحقيق الأهداف الإنتاجية، بل بوصفها بيئات اجتماعية ونفسية تؤثر في سلوك العاملين ودافعيتهم ومستوى انتمائهم للمؤسسة.
في كثير من المؤسسات، لم تعد الإنتاجية تقاس فقط بعدد ساعات العمل أو حجم الإنجاز، بل بالحالة النفسية التي يعيشها الموظف خلال يومه الوظيفي، فبين ضغط المهام وروتين المكاتب، بدأت الإدارات الحديثة تكتشف أن التفاصيل الإنسانية الصغيرة –كالتقدير والتفاعل الإيجابي والشعور بالراحة– قد تكون عاملاً خفياً في رفع الأداء وتحسين بيئة العمل.
أهمية مفهوم «المرح المُدرك»
من هنا، بدأ مفهوم «المرح المُدرك» داخل مكان العمل يفرض حضوره ضمن النقاشات الإدارية والتنظيمية، بوصفه أحد العوامل المرتبطة بتحسين المخرجات الوظيفية للعاملين، كما بيّن لـ«الحرية» الأستاذ في كلية العلوم الاقتصادية والإدارية بجامعة غازي عنتاب (فرع الباب)، مؤكداً أن هذا المفهوم يزداد حضوراً مع تصاعد الضغوط النفسية والإرهاق الوظيفي في العديد من القطاعات، بالتزامن مع سعي المؤسسات للحفاظ على الكفاءات البشرية وتقليل معدلات تبدل العاملين.
يرى الدكتور عريض أن بيئة العمل الحديثة لم تعد تقوم فقط على معايير الانضباط والإنتاج المباشر، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على طبيعة المناخ النفسي والاجتماعي داخل المؤسسات باعتباره عاملاً مؤثراً في سلوك الموظفين ومستوى أدائهم واستقرارهم المهني.
وأكد أن التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الموظف يومياً، مثل طبيعة العلاقات بين الزملاء وأساليب التفاعل والشعور بالراحة والتقدير، باتت تلعب دوراً مهماً في تحديد مستوى الرضا الوظيفي والإنتاجية.
الكفاءات البشرية أساس المنافسة
يتابع الدكتور عريض أن المؤسسات بدأت تدرك أن الموظف لا يعمل بمعزل عن حالته النفسية والاجتماعية، وأن بيئة العمل القادرة على خلق قدر من التفاعل الإيجابي والمرونة الإنسانية تكون أكثر قدرة على الحفاظ على الكفاءات وتحفيز العاملين على الأداء والعطاء.
وأوضح أن مفهوم «المرح المُدرك» لا يعني غياب الجدية أو تحويل المؤسسة إلى مساحة ترفيهية، بل يشير إلى وجود بيئة تسمح للموظف بالشعور بالارتياح والتقدير والتواصل الإنساني أثناء أداء مهامه اليومية.
يؤكد عريض أن رأس المال البشري أصبح اليوم أحد أهم عناصر الميزة التنافسية للمؤسسات، خاصة في القطاعات التي يكون فيها العاملون على تماس مباشر مع الجمهور، كما هو الحال في المؤسسات الصحية. مضيفاً: إن نجاح أي مؤسسة لا يرتبط فقط بالإمكانات التقنية أو الموارد المالية، بل يعتمد بصورة أساسية على قدرة العاملين فيها على تقديم أداء مستقر وفعال ضمن بيئة تنظيمية صحية.
علاقة الرضا الوظيفي بالأداء
في هذا السياق، يوضح الدكتور عريض أن العديد من الدراسات الإدارية تشير إلى وجود علاقة إيجابية بين «المرح المُدرك» في مكان العمل وعدد من المخرجات الوظيفية المهمة، مثل الرضا الوظيفي وأداء المهمة وسلوكيات المواطنة التنظيمية تجاه الأفراد.
مشيراً إلى أن الموظف الذي يشعر بالراحة والتقدير داخل المؤسسة يكون غالباً أكثر استعداداً للتعاون وتحمل المسؤولية والمبادرة في العمل.
دراسة خاصة بالكوادر التمريضية
يطرح الدكتور عريض في دراسة له حول اختبار العلاقات السببية بين «المرح المُدرك» في مكان العمل والمخرجات الوظيفية لدى الكوادر التمريضية مجموعة من التساؤلات، أبرزها: إذا ما كان «المرح المُدرك» يؤثر بصورة معنوية في الرضا الوظيفي وأداء الموظف لمهامه اليومية، إضافة إلى مدى تأثيره في سلوكيات المواطنة التنظيمية تجاه الأفراد داخل المؤسسة.
يوضح أن أهمية دراسة هذه العلاقات تكمن في مساعدة المؤسسات على فهم التأثيرات المحتملة للمناخ النفسي والاجتماعي داخل بيئة العمل، بما يسمح بتطوير سياسات أكثر فاعلية في إدارة الموارد البشرية وتحسين الأداء المؤسسي.
وأشار إلى أن هذه القضية تكتسب أهمية خاصة في المشافي والمراكز الصحية نظراً لطبيعة العمل التي تتطلب جهداً نفسياً ومهنياً كبيراً، إضافة إلى التعامل المباشر مع المرضى والضغوط اليومية المرتبطة بالمسؤوليات الطبية والإنسانية. موضحاً أن توفير بيئة عمل إيجابية في هذه المؤسسات قد يساهم في تخفيف مستويات التوتر والإرهاق وتحسين قدرة العاملين على أداء مهامهم بكفاءة أكبر.
صعوبات إدارية تواجه «المرح»
بالرغم من ذلك، يلفت الدكتور عريض إلى أن تبني مفهوم المرح داخل بيئات العمل ما يزال يواجه قدراً من التردد لدى بعض الإدارات التي تخشى أن يؤثر هذا التوجه على المهنية والانضباط الوظيفي، مشيراً، إلى أن بعض المديرين ينظرون إلى المرح بوصفه حالة قد تقلل من الجدية المطلوبة لإنجاز الأعمال، في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة فهم هذا المفهوم وآلية تطبيقه داخل المؤسسة.
كذلك يبين الدكتور عريض أن المرح بطبيعته ظاهرة اجتماعية غير رسمية، لذلك يصعب فرضه بقرارات إدارية مباشرة أو تنظيمه بطريقة جامدة، كما أن المبالغة في تقديم الأنشطة الترفيهية بصورة رسمية قد تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية، مثل شعور الموظفين بعدم الارتياح أو التعامل مع هذه الأنشطة بوصفها واجباً إضافياً.
يؤكد أن النقاش القائم في الأدبيات الإدارية اليوم لا يتعلق فقط بوجود علاقة بين المرح والمخرجات الوظيفية، بل بطبيعة هذه العلاقة واتجاهها وقوتها، ومدى قدرة المؤسسات على توظيف هذا المفهوم بطريقة متوازنة تحقق نتائج إيجابية دون التأثير على بيئة العمل المهنية.
توصيات لتحسين الأداء الوظيفي
في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسات المتعلقة بهذا المجال، يوصي الدكتور عريض بتبني سياسات تعزز ثقافة المرح التنظيمي داخل المؤسسات الصحية، لما لذلك من أثر إيجابي على الرضا الوظيفي وأداء المهام وسلوكيات المواطنة التنظيمية تجاه الأفراد.
وأضاف إن هذه السياسات يمكن أن تشمل تنظيم تفاعلات اجتماعية دورية بين العاملين، وتخصيص فترات استراحة جماعية، وتطبيق أنظمة تكريم للأداء المتميز، إضافة إلى دعم الأنشطة الترفيهية والمبادرات الاجتماعية التي تعزز التواصل والتعاون بين الموظفين.
يؤكد الدكتور عريض أهمية وجود لجان مختصة تتولى تخطيط هذه الأنشطة وتنفيذها ضمن رؤية واضحة ومتوازنة تراعي طبيعة العمل ومتطلبات المؤسسة، بما يحقق بيئة عمل أكثر جاذبية واستقراراً للعاملين وينعكس بصورة إيجابية على الأداء والإنتاجية داخل المؤسسات.