الحرية – إلهام عثمان:
تتداخل في الأزمات مفاهيم الضبط والرقابة، وتختلط معها الأدوات بين مناشدة الضمير وتهديد المخالف بالعقوبات، غير أن السؤال الأعمق يظل معلقاً في فضاء االأسواق السورية التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة انهيار معيشي وتراجع قاسٍ في القدرة الشرائية: هل يمكن للأخلاق وحدها أن تردع جشع البعض في زمن تنهار فيه القيم؟ أم إن الحاجة ملحة لصياغة نظام رقابي جديد ينتقل بالأسواق من اقتصاد الخطاب إلى اقتصاد المعايير؟ سؤال يطرح نفسه بقوة.
و هذا ما يقودنا إلى سؤال جوهري أكثر عمقاً: كيف يمكن للدولة أن تحمي المستهلك دون أن تتحول إلى مفتش خلف كل دكان، وفي الوقت نفسه لا تترك السوق فريسة للمضاربة والاحتكار تحت شعار تحرير الأسعار؟
الباحث السياسي والاقتصادي في إدارة الأزمات الاقتصادية أحمد نواف برق، يقدم في حوار مع “الحرية”، مقاربة مختلفة لضبط الأسواق، تقوم على الانتقال من الرقابة البشرية المكلفة إلى الرقابة الذكية، ومن الخطاب الأخلاقي إلى المنظومة المؤسسية المتكاملة، مع إبقاء مساحة للضمير ولكن بوصفه عاملاً مساعداً لا أساسياً.
من الميدان إلى المنصة
يرى برق أن الجدل الدائر حول جدوى “مناشدة الضمير” في ضبط الأسواق، هو جدل مشروع لكنه يحتاج إلى حسم عملي.
ففي ظل الضغط الاقتصادي وتراجع الموارد، لا يمكن للدولة أن تضع مفتشاً على باب كل محل تجاري، كما لا يمكنها أن تترك السوق دون رقابة. وهنا يقع الحل في المنطقة الوسطى: الانتقال من الرقابة البشرية إلى الرقابة الرقمية.
أنظمة نقاط بيع ليزرية
ويشرح برق الآلية العملية لذلك عبر منظومة إلكترونية متكاملة، تبدأ بإلزام جميع المحال التجارية بالحصول على ترخيص نظامي، واشتراط وجود “كاشير” شراء و”كاشير” بيع (أنظمة نقاط بيع ليزرية) كجزء من شروط الترخيص، ثم ربط هذه الكاشيرات إلكترونياً بقسم رقابي مركزي لدى وزارة التموين، مع تحديد سقف سعري أعلى للمواد التموينية عبر وزارة الاقتصاد أو التموين، وبيع المواد التموينية حصراً عبر النظام الإلكتروني المعتمد.
شرط للترخيص
ولا يغفل برق عنصر الكاميرات، فيقترح إلزام المحال بتركيب كاميرات مراقبة كشرط للترخيص أيضاً، إلى جانب إنشاء قسم رقابة إلكترونية في كل مديرية تموين، وإطلاق نظام إنذار إلكتروني تلقائي عند تجاوز السقف السعري، مع تدقيق شهري دوري من موظفي التموين بناءً على تقارير النظام.
بهذا الشكل، كما يوضح برق، تنتقل الدولة من نموذج “المفتش الميداني المكلف” إلى نموذج “الرقابة الذكية منخفضة الكلفة البشرية وعالية الكفاءة”، وهو الحل الأكثر واقعية في ظل الانكماش الاقتصادي وتراجع الموارد.
من أداة رئيسية إلى عامل مساعد
لا يعني التحول نحو الرقابة الرقمية إلغاء دور الأخلاق والضمير، بحسب برق، بل إعادة وضعهما في مكانهما الطبيعي. فالضمير يبقى بعداً أخلاقياً مهماً، لكنه ليس أداة ضبط رئيسية.
لافتاً إلى أن الضبط الفعلي يتحقق عبر المنظومة التقنية والقانونية، بينما يأتي الضمير كعامل مساعد يعزز هذه المنظومة ولا يحل محلها.
مكملاً لا متناقضاً
ويشدد برق على أن ضبط الأسواق في الظروف الاقتصادية الصعبة لا يمكن أن يقوم على خطاب أخلاقي فقط، ولا على العقوبات المجردة فقط، بل على تكامل منظومة مؤسسية واضحة، عبر تنسيق مباشر بين وزارات الاقتصاد والتموين والمالية. وهنا يصبح الحزم مكملاً للمناشدة، لا متناقضاً معها.
بين واجبات الدولة وحوافز التجار
ينتقل برق إلى الحديث عن المسؤولية الاجتماعية للقطاعين العام والخاص، مؤكداً أن استقرار السوق هو مسؤولية مشتركة، مبيناً أن الدولة معنية بوضع سقوف سعرية عادلة، وحماية المستهلك، وتأمين بيئة تنظيمية واضحة، وتفعيل الرقابة المؤسسية.
في المقابل، يقع على عاتق التجار والصناعيين الالتزام بهوامش ربح منطقية وعدم استغلال الأزمات لتحقيق أرباح مفرطة.
العصا والجزرة
غير أن برق يذهب إلى أبعد من ذلك، فيطرح فكرة التوازن عبر “العصا والجزرة”. فالتوازن يتحقق عندما تفرض الدولة إطاراً تنظيمياً صارماً، وتقدم في المقابل حوافز تشجيعية، مثل منح إعفاء ضريبي مؤقت لمدة سنتين للمحال الملتزمة بالأنظمة الإلكترونية، وتقديم تسهيلات تنظيمية للتجار الملتزمين، واعتماد تصنيف تحفيزي للمحال النظامية، بهذه الطريقة، يضيف برق، يتحول التكافل من خطابي إلى اقتصادي مؤسسي، وتصبح المسؤولية الاجتماعية التزاماً عملياً مدعوماً بحوافز.
التكامل لا الانحياز
ما يقدمه برق هو رؤية لا تنحاز كلياً إلى منطق الدولة ولا تترك السوق نهباً للتجار، بل تبحث عن صيغة تكاملية تعيد تعريف الرقابة من خلال ثلاثة عناوين رئيسية: الرقابة الذكية بديلاً عن البشرية، والمنظومة المؤسسية بديلاً عن الخطاب الأخلاقي، والحوافز المشروطة بديلاً عن الوعود غير المقرونة بآليات تنفيذ.
في النهاية، تبقى الأسواق السورية بحاجة ماسة إلى هذه الصيغة التكاملية، التي تجمع بين الحزم والمرونة، بين العقاب والحوافز، بين الضمير والنظام، علّها تستعيد بعض توازنها في زمن الاختلال الكبير.