الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:
القصة أحد مصادر الثقافة التي لعبت دوراً في نقل الأحداث والوقائع التاريخية لدى الحضارات السابقة، فهي رابطة اتصال بين الحضارات، والقصة نموذج محبب للكبار والصغار لاعتمادها على المواقف وعنصر المفاجأة، كما أنها تصوير للخبرات والتجارب المُستقاة من مدرسة الحياة العملية.
ولقصة الطفل مواصفات خاصة تتطلب الخبرة، وتتجلى صعوبتها في بساطتها وأهم هذه المواصفات: عدم اللجوء إلى الغموض واختيار الألفاظ المبهمة، لأن ذلك يعد عيباً في الصياغة، فالطفل قد يفسر الكلمة الغامضة خلاف الغرض المرسوم لها، هذا إذا لم تقف عائقاً في استمرار متابعته لأحداثها، إنّ بعض الكتّاب يرى أن الالتجاء إلى التذييل والهوامش لشرح الألفاظ الغامضة حلاً، ولكن ذلك يُفقد القصة عنصر التشويق ويقطع عليه لذة الانسجام مع الحدث.
إننا عندما نكتب باللغة العربية الفصحى نحقق عدة أمور، أهمها: الكتابة لكافة أبناء أمتنا، وتأهيل الطفل للاطلاع والإبداع، وإعطاؤه احتراماً للغة ومهابة للكتاب الذي يحوي تلك القصة، فهي ليست مجرد حكاية يتصور أنها وضعت بين يديه للتسلية فقط، ولكنها وجبة ثقافية متكاملة العناصر.
إن القصة تحتل درساً في الخبرة، وسيادة الشر والرذيلة أو تغليب عامل القصّ واللصق على الجد في بناء القصة، إما أن يصيب المتلقي بالإحباط وقد ينتهي نهاية محمودة، أو يتحول الدرس لخبرة شاذة ومسلكاً فرعياً يميل إليه النشء عن الطريق السليم، كما أن قصص العنف والرعب كقصص السحرة المتسلطة والرجل الذي يملك القوى الخارقة عن حياة البشر، ليست بأقل خطورة من سابقتها، يقول أحد علماء الاجتماع الذين يكتبون عن هذا النوع للأطفال (هل فكروا في الضرر النفسي الذي يقع على أطفال ما دون السادسة إذا ما احتوت قصصهم على مواقف الفزع والخوف وحوادث الرعب؟ والذين يكتبون منهم قصص المخاطر والمغامرات والبطولات والجريمة والعنف، هل فكّروا فيما ترمي إليه الكثير من هذه القصص، وهي مترجمة، وقد كُتبت بمهارة ودراية بحيث تشد إليها الأطفال لتمجّد الرجل الأبيض؟).

إن تسخير مادة البيئة في كتابة القصة للطفل فيه تأصيل للانتماء، وتسويق لجغرافيا الوطن وتاريخه، كما أن ذلك لا يتطلب البحث عن تفسير لمصطلحات مادتها من الخارج، احتواءها على الرسوم والأشكال التوضيحية، لأن ذلك يسهل الاستيعاب ويشدّ انتباه الطفل إلى الإقبال على القصة، بل إن هذه الأشكال والرسوم قد تكون المادة الرئيسية في القصة، ثم تتدرج هذه الرسوم في التراجع مع تقدم عمر الطفل، ولا مانع من تضمين القصة بعض الأدبيات المنظومة والكلمات المبنية على السجع الواضح غير المكلف خاصة عند المواقف التي تتطلب شد الانتباه، كما أنه لا مانع من توظيف الحيوانات والطيور كشخصيات رئيسية في القصة وإعطائها حق النطق والتفكير.
أخيراً لابد من إعداد الطفل للمستقبل الذي ظهرت بوادره بإنجازات الحاضر والذي يعتمد على الابتكار وذلك عن طريق تطبيقهم القصة بالخيال العلمي غير المتكلف والذي ينمّي ملكة التخيل بشكل سليم.
أكاديمي وكاتب عراقي