التحول الرقمي.. حلول عملية متدرجة لخروج الاقتصاد السوري من تعقيداته

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سامي عيسى :

لا أحد يستطيع تجاهل ما شهدته الصناعة السورية خلال السنوات الأخيرة، من تحديات اقتصادية هائلة نتيجة للظروف الداخلية والبيئة الاقتصادية غير المستقرة. ورغم هذه التحديات، فإن التحول الرقمي يعد أحد الحلول الضرورية للمستقبل الصناعي في البلاد، بما يساعد على زيادة الكفاءة وتقليل التكاليف، وتحقيق مزيد من الشفافية والتنافسية، ولكن ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها على أرض الواقع منها على سبيل المثال: هل يمكن تطبيق التحول الرقمي على نطاق واسع في ظل الظروف الراهنة؟ وما هي المعوقات التي قد تحد من نجاح هذه التحولات؟ هذا ما سيوضحه الخبير الاقتصادي الدكتور” وائل الحسن” خلال لقائه ” الحرية” إلى جانب تسليط الضوء على الفرص المتاحة والعوامل التي تؤثر على التنفيذ الفعلي لهذا التحول.

حلول رقمية فعالة

قي بداية الحديث أكد ” الحسن”  أن التحول الرقمي في المجال الصناعي لا يقتصر فقط على شراء التكنولوجيا المتقدمة أو البرمجيات الحديثة، بل يمتد ليشمل أتمتة العمليات وتبني حلول رقمية فعّالة في مجالات متعددة مثل:

رقمنة العمليات: أتمتة خطوط الإنتاج، تطبيق نظم تخطيط الموارد (ERP)، إدارة المخزون، والتحول إلى أنظمة الصيانة التنبؤية.

استخدام البيانات لاتخاذ القرارات: جمع وتحليل بيانات الإنتاج، التكاليف، والجودة، لتحسين سرعة ودقة اتخاذ القرارات.

سلاسل التوريد: تحسين ربط الموردين والموزعين رقمياً من خلال حلول مبتكرة للحد من الهدر وتحسين وقت التسليم.

تنمية رأس المال البشري

وذلك من  تدريب العمال والمهندسين على استخدام الأنظمة الرقمية بما يساهم في تغيير الثقافة التنظيمية داخل الشركات. وفي هذا  هذا السياق، يُطرح السؤال الأكثر أهمية: “أي مستوى من التحول الرقمي يمكن تحقيقه في الظروف الحالية؟”، حيث تكمن الإجابة في تحديد الأهداف الملموسة التي يمكن الوصول إليها.

التحديات اقتصادية وصناعية

وهنا يشير “الحسن ” إلى جملة تحديات اقتصادية وصناعية  تواجه قطاع الصناعة السوري، أهمها بيئة اقتصادية معقدة للغاية تتسم بعدد من التحديات البارزة:

= نمو اقتصادي ضعيف: النمو الاقتصادي في سوريا ما زال هزيلاً بعد سنوات من الانكماش، مع استمرار المشكلات المتعلقة بالتمويل والطاقة والاستثمار.

البنية التحتية المتضررة: يعاني قطاع الكهرباء، النقل، والاتصالات من فجوات كبيرة تؤثر بشكل مباشر على كفاءة أي مشاريع رقمية.

التمويل المحدود: يعاني القطاع الصناعي من صعوبة في الوصول إلى التمويل الخارجي، بينما تظل قدرة المصارف المحلية على دعم المشاريع طويلة الأجل محدودة، إلى جانب بيئة أعمال غير مستقرة تقلبات أسعار الصرف وعدم اليقين السياسي يؤثران على قرارات الاستثمار في الصناعة.

رغم هذه التحديات، هناك بعض المؤشرات الإيجابية مثل انتشار الإنترنت بشكل واسع في البلاد، وتزايد الاهتمام الرسمي بالتكنولوجيا والتحول الرقمي.

عوامل مؤثرة تحد من عملية التحول

هناك عدد من العوامل الحاسمة في رأي ” الحسن” تحدد من قدرة الصناعة السورية على تنفيذ التحول الرقمي بنجاح في مقدمتها :

البنية التحتية الرقمية والطاقة: حيث  تحتاج المشاريع الصناعية الرقمية إلى توافر اتصال إنترنت مستقر وكهرباء شبه مستمرة، في حالة الانقطاع المتكرر للكهرباء أو الإنترنت، قد تكون الحلول المتقدمة غير عملية في الوقت الحالي، لكن يمكن اللجوء إلى الحلول الهجينة التي تجمع بين الأنظمة المحلية والسحابية.

إلى جانب تمويل التحول الرقمي: صاحب المصنع في سوريا يواجه تحدياً في تخصيص الموارد بين احتياجات البقاء الأساسية (كالطاقة والصيانة) والاستثمار في التقنيات الرقمية. وبالتالي، لن يكون التحول الرقمي قابلاً للتطبيق إلا إذا أثبت فاعليته في تقليل التكاليف وتحسين الكفاءة.

والأهم رأس المال البشري والمهارات: فهناك فجوة كبيرة في المهارات الرقمية بين العاملين في بعض المصانع، لذا يجب توفير فرص تدريب وتطوير مهارات العمال والمهندسين على استخدام الأنظمة الرقمية.

دون تجاهل الإطار المؤسسي والتشريعي والذي يحمل غياب التشريعات الواضحة المتعلقة بحماية البيانات، التجارة الإلكترونية، والتوقيع الإلكتروني يعوق بعض أشكال التحول الرقمي المتقدم.

مجالات الاستخدام

مجالات التحول الرقمي التي يمكن تطبيقها في الصناعة السورية على الرغم من التحديات التي تواجهها سوريا، هناك مجالات يمكن تنفيذ التحول الرقمي فيها بشكل واقعي وفي مراحل متدرجة، حيث حدد الحسن بعض المجالات منها:

رقمنة الإدارة والمحاسبة: يمكن تطبيق أنظمة محاسبية بسيطة في الشركات الصغيرة والمتوسطة لتوفير شفافية وضبط التكاليف.

أتمتة جزئية لخطوط الإنتاج: في بعض القطاعات مثل الصناعات الغذائية والدوائية، يمكن تطبيق أنظمة مراقبة بسيطة لتقليل الهدر والأعطال دون الحاجة لتحولات كبيرة.

التحول الرقمي في التسويق والمبيعات: استخدام المنصات الرقمية للتسويق وإدارة الطلبات خاصة للتصدير أساسي في الوصول إلى الأسواق العالمية.

تحسين سلاسل التوريد المحلية: استخدام التطبيقات الرقمية لربط الموردين والموزعين يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين كفاءة العمليات الصناعية.

شروط نجاح التحول الرقمي في الصناعي

فهناك جملة من الشروط الاقتصادية لتحقيق نجاح فعلي في التحول الرقمي في سوريا، تكمن في التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة ذات العائد الواضح. وتحقيق شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص لدعم التنفيذ، وتمويل موجه وداعم لمشاريع التحول الرقمي. إلى جانب استثمار في الكفاءات المحلية من خلال دعم الشركات البرمجية المحلية وتدريب المهندسين، وتحسين تدريجي للبنية التحتية الرقمية والكهرباء.

هل يمكن تطبيق التحول الرقمي في الصناعة السورية الآن؟

بينما يبدو أن التحول الرقمي الشامل في سوريا غير قابل للتحقيق في الوقت الراهن بسبب القيود الهيكلية، فإن التحولات الرقمية الجزئية تبقى ممكنة وضرورية، ونجاح هذه التحولات يعتمد على اختيار المشاريع ذات العائد الأعلى، وتنفيذها بشكل تدريجي ومدروس، قد يصبح التحول الرقمي أحد الأدوات الأساسية لضمان استمرارية وتنافسية الصناعات السورية في المستقبل.

في نهاية الأمر

يمكن القول إن التحول الرقمي في الصناعة السورية لا يقتصر فقط على الجانب التقني، بل يتعلق بشكل أساسي بتحقيق أهداف اقتصادية ملموسة. تحتاج سوريا إلى تبني نهج تدريجي ومدروس للتحول الرقمي، يضمن استفادة قطاع الصناعة من هذه التحولات بما يتناسب مع الإمكانيات الحالية، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية الخاصة بالبلاد.

Leave a Comment
آخر الأخبار