الحرية – سامي عيسى :
في ظل التصعيد المستمر في منطقة الخليج العربي وتزايد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، تتزايد المخاوف بشأن تداعيات هذه الأزمات على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، لكن رغم التحديات الكبرى التي تطرأ على الاقتصاد العالمي، فإن الأزمات الجيوسياسية توفر في بعض الأحيان فرصاً اقتصادية قد تساعد الدول في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتوسيع آفاق التنمية.
وفي هذا السياق تستطيع سوريا استغلال هذا الأمر وتسعى لتحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة.
تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي
وهنا يمكن القول إن مضيق هرمز يشكل أحد أبرز الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، وأي تصعيد عسكري في هذه المنطقة أو إغلاق للمضيق يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط عالمياً، ما يفتح الباب أمام موجة تضخمية عالمية، وهذا الارتفاع في الأسعار سيؤثر بشكل مباشر على تكاليف الشحن والتأمين، ما يزيد من تعقيد سلاسل الإمداد ويؤدي إلى تباطؤ اقتصادي في العديد من الدول المستوردة للطاقة.
ومن المتوقع أن تواجه أسواق المال تقلبات حادة مع تقلبات كبيرة في أسعار العملات، حيث ستجد الدول ذات الهشاشة المالية نفسها أمام تحديات مركبة في كيفية مواجهة تلك الصدمات الاقتصادية.

فرص سوريا في مواجهة تحديات إغلاق مضيق هرمز
رغم الظروف الصعبة التي مرت بها سوريا على مر السنوات الماضية، فإن القدرة على التكيف مع الأزمات قد تعزز من إمكانية تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص لتنمية شاملة ويؤكد مازن كنينه، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، أن سوريا تمتلك حقول النفط والغاز في أراضيها، ما يمنحها القدرة على تعزيز الاكتفاء الذاتي في حال تصاعد الأزمات الإقليمية.
وبالتالي فان الاستثمار في الموارد الوطنية، عند ارتفاع أسعار النفط عالمياً، تصبح القيمة المضافة للإنتاج المحلي مضاعفة، وفي هذا السياق، يستعرض كنينه بعض الأمثلة العملية على قدرة سوريا في تعزيز الإنتاج المحلي:
أولاً: إعادة تفعيل الحقول النفطية والغازية: لتوفير احتياجات السوق المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ثانياً: تعزيز الإنتاج الزراعي: لضمان الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الواردات.
ثالثاً: تشجيع الصناعات الوطنية: لتوفير بدائل محلية للسلع المستوردة ما يعزز الميزان التجاري ويحافظ على القطع الأجنبي.
رابعاً: التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية: للاستفادة من الطاقة المتجددة وتقليل الضغط على الشبكة العامة، خاصة في المناطق الصناعية والتجارية.
وترجمة ذلك يكمن بتعاون عالي المستوى بين القطاعين العام والخاص، وفق “كنينة” مضيفاً إن التعاون بين الدولة والقطاع الخاص يشكل عنصر قوة حقيقي، حيث إن غرف التجارة والصناعة تلعب دوراً حيوياً في دعم عجلة الإنتاج، حتى في أصعب الظروف، كما أكد على أن سياسات ترشيد الاستهلاك وإدارة الموارد بكفاءة تمثل أدوات أساسية لتخفيف أثر أي اضطراب خارجي.
إعادة تنظيم الأولويات الاقتصادية
من الضروري امتلاك القدرة على تجاوز الأزمات، وهنا يؤكد الدكتور زكوان قريط، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، أن إغلاق مضيق هرمز يمثل فرصة لسوريا لتعزيز موقعها كـ مركز لوجستي وتجاري إقليمي، خاصة في ظل تعطل بعض الممرات البحرية الحيوية، ويمكن لسوريا الاستفادة من موقعها الاستراتيجي لربط آسيا بـأوروبا، والخليج بالبحر الأبيض المتوسط.
ودعا قريط إلى أهمية تسريع تنفيذ الاتفاقيات بين سوريا وتركيا والأردن لتطوير البنية التحتية للنقل البري والجوي، ما يساهم في تعزيز التجارة الإقليمية وربط الأسواق الأوروبية بالخليج عبر سوريا، كما أشار إلى أهمية الربط السككي مع العراق وإيران لتفعيل المشاريع الاستراتيجية وزيادة الإيرادات من الترانزيت.
فرصة لتطوير الموانئ السورية
وهنا من الواجب العمل على تطوير الموانئ حيث أوضح الدكتور قريط أن الموانئ السورية، خاصة ميناء طرطوس، يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً كـ بوابة تجارية إقليمية مع تزايد المخاطر في الممرات البحرية الأخرى، وأكد أن اتفاقية تطوير ميناء طرطوس مع موانئ دبي العالمية تمثل فرصة كبيرة لزيادة قدرة الميناء وكفاءته، ما يعزز دور سوريا كمركز لوجستي رئيسي في المنطقة.
وبالتالي من خلال هذه الفرص، يمكن لسوريا جذب استثمارات ضخمة في قطاعات النقل واللوجستيات والمناطق الصناعية الحرة، عبر تقديم حوافز استثمارية، وتسريع الإجراءات الإدارية، وتوفير الضمانات القانونية للمستثمرين.
خلاصة القول
إن الأزمات مهما اشتدت، تبقى اختباراً للإرادة الوطنية، ومن يمتلك إرادة العمل والإنتاج يمتلك القدرة على العبور.
ورغم التحديات العميقة التي قد يسببها إغلاق مضيق هرمز، فإن سوريا قادرة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة، عبر تفعيل مواردها المحلية، وتعزيز قدرتها على الاعتماد على الذات، وبناء اقتصاد أكثر توازناً واستقلالية.