الحرية- إلهام عثمان:
في وقت باتت فيه الثقة رأس مال لا يقل أهمية عن الذهب والدولار، تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة البناء الاقتصادي، حيث تبحث عن معادلة صعبة تجمع بين جذب المستثمر الأجنبي وطمأنته بأن أمواله في حصن منيع.
وفي عالم الأعمال، لا شيء يطمئن المستثمر أكثر من وجود آلية واضحة وسريعة وعادلة لحل النزاعات.. هنا يبرز دور مراكز التحكيم التجاري الدولي كحارس أمين على الاستثمارات، وكجسر عبور نحو بيئة أعمال أكثر استقراراً وشفافية.
فرفور: وجود محكمين متخصصين في المجالات التجارية يضمن الوصول إلى قرارات عادلة تراعي خصوصية النزاعات الاقتصادية.
طمأنة قانونية تعزز الثقة
المدير التنفيذي لمركز العدل والإحسان للتحكيم التجاري والاقتصادي الدولي بدمشق، الدكتور بهاء عبد اللطيف فرفور، أوضح أن إنشاء مركز تحكيم تجاري دولي تابع لهيئة الاستثمار السورية يمثل خطوة استراتيجية تعيد ترتيب أولويات البيئة الاستثمارية في البلاد.
ويرى فرفور في تصريح لـ”الحرية”، أن هذا المركز سيسهم بشكل كبير في تحسين مناخ الاستثمار عبر آليات متعددة، أبرزها توفير بيئة آمنة بديلة عن القضاء التقليدي الذي قد يثقل كاهل المستثمرين بإجراءاته الطويلة. فالتحكيم، يتميز بسرعة الفصل في النزاعات مقارنة بالمحاكم النظامية، ما يقلص الوقت والتكاليف بشكل ملموس.
يعكس هذا التوجه -كما يؤكد الدكتور- التزام الحكومة الجاد بتحسين مناخ الأعمال، ويعزز الثقة بين المستثمرين المحليين ونظرائهم الأجانب، لافتاً إلى أن وجود محكمين متخصصين في المجالات التجارية يضمن الوصول إلى قرارات عادلة تراعي خصوصية النزاعات الاقتصادية.

دروس من تجارب الماضي
لم يخلُ طريق إنشاء مراكز التحكيم في سوريا من عقبات، ولا سيما فيما يتعلق بتأهيل كادر بشري قادر على مواكبة المعايير الدولية، وهنا يستعرض فرفور أبرز التحديات التي واجهت هذا المسار، وفي مقدمتها ندرة الخبرة المحلية المتعمقة في التحكيم الدولي، ما استدعى في البداية الاعتماد على خبراء أجانب، كما أن تدريب الكادر المحلي تطلب استثمارات مالية كبيرة، إضافة إلى ضرورة مواءمة القوانين المحلية مع الممارسات الدولية المعترف بها.
لكن التجربة حملت في طياتها دروساً ثمينة يمكن البناء عليها.
وينصح فرفور القائمين على المشروع الجديد بالاستفادة من تلك المرحلة عبر تطوير برامج تدريبية متخصصة، والتعاون مع مراكز تحكيم خاصة محلية ذات طابع دولي، إلى جانب استضافة محكمين دوليين وتشجيع التبادل المهني معهم. ويشدد على أن التطوير المستمر ومتابعة أحدث المستجدات في مجال التحكيم الدولي هما مفتاح النجاح في بناء كادر يضاهي أعلى المستويات العالمية.
فرفور:التطوير المستمر ومتابعة أحدث المستجدات في مجال التحكيم الدولي هما مفتاح النجاح في بناء كادر يضاهي أعلى المستويات العالمية
الاستقلالية وشبكات التعاون
“استمرارية العمل المؤسسي ليست ترفاً إدارياً، بل شرط أساسي لنجاح أي مركز تحكيم”، بهذه العبارة يلخص فرفور أهمية البناء المؤسسي الراسخ،وهنا يقدم الدكتور ثلاث وصايا للقائمين على المركز الجديد لضمان استدامته وفعاليته:
أولاها- ضمان الاستقلالية المالية والإدارية، ليكون القرار بعيداً عن أي ضغوط أو اعتبارات قد تؤثر في حيادية المركز، وثانيها بناء شبكة علاقات متينة عبر توسيع قاعدة المحكمين والشركاء الدوليين، وإبرام مذكرات تعاون علمي وقانوني مع مراكز التحكيم الخاصة المشهرة في سوريا، ويعلل فرفور ذلك بأن المستثمر يفضل عادة جهة محايدة خاصة للتحكيم، خاصة أن هيئات الاستثمار في معظم دول العالم ترتبط بحكوماتها وتتبع لوزارات الاقتصاد والاستثمار، وأخيراً، التسويق الفاعل للمركز على المستويين الإقليمي والدولي، إلى جانب التحديث المستمر للوائح والإجراءات بما يواكب تطورات صناعة التحكيم العالمية.
ضرورة اقتصادية ملحة
حول ما إذا كانت مراكز التحكيم المتخصصة تمثل ضرورة حقيقية للاقتصاد السوري أم تبقى في إطار الرفاهية القانونية، كان رد فرفور حاسماً، مبيناً أن مراكز التحكيم أصبحت ضرورة ملحة لتعزيز تنافسية الاقتصاد السوري إقليمياً.
ومع زيادة التنافسية، يبحث المستثمرون عن بيئات توفر حلولاً سريعة وعادلة للنزاعات، وهنا يبرز دور هذه المراكز كأداة أساسية لجذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي، والتجارب الدولية تؤكد ذلك؛ فدول مثل الإمارات ومصر استثمرت في إنشاء مراكز تحكيم عالمية المستوى، فكانت عامل جذب رئيسياً للاستثمارات الأجنبية.
ويخلص الدكتور فرفور إلى أن توفير حل فعال للنزاعات يعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية، ويمنح الاقتصاد السوري فرصة حقيقية ليكون لاعباً إقليمياً واعداً.
رسالة ثقة
في النهاية، يبقى التحكيم التجاري الدولي أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ إنه رسالة ثقة يوجهها الاقتصاد السوري إلى العالم، رسالة تقول إن سوريا الجديدة تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي لا يزدهر إلا في كنف العدالة المستقلة والحيادية، ومع كل خطوة نحو إنشاء مؤسسات تحكيمية رصينة، تقترب دمشق خطوة إضافية من استعادة مكانتها كوجهة استثمارية آمنة، حيث يجد المال ضالته، ويجد المستثمر طمأنينته، وتجد سوريا مستقبلها الواعد.