الحرية ـ باسمة اسماعيل:
يفتح تحسن مؤشرات موسم القمح في جبلة نافذة أمل أمام المزارعين، مع وصول المحصول إلى مرحلتي الإزهار والنضج اللبني في مختلف البيئات الزراعية، من السهل إلى المناطق الجبلية، وسط تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا الانتعاش قادراً على تبديد مخاوف المزارعين إثر الخسائر السابقة، التي فرضتها سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف توفر مستلزماته، التي دفعت الكثير منهم إلى العزوف الجزئي عن زراعته.
بين الأمس واليوم
في قراءة ميدانية لواقع الزراعة، تعكس شهادات المزارعين الذين التقتهم”الحرية” تحولات واضحة في قراراتهم الزراعية، بين مواسم الخسارة ومؤشرات التعافي الحالية.
يقول المزارع بلال حسن من قرية بتمانة لـ”الحرية”: نتيجة الظروف المناخية التي سادت خلال الأربع سنوات الماضية وبالأخص العام الماضي، قلة الأمطار وعدم توفر مستلزمات الإنتاج، ولاسيما البذار والأسمدة وحتى الأدوية، وبسبب تخوفي من الخسارة التي منيت بها كغيري من المزارعين، اتجهت لزراعة دونم ونصف الدونم قمح رعوي للأغنام، وثلاثة دونمات شعير من أصل سبعة دونمات أملكها، لكن أتت الحسابات مخالفة للتوقعات، فهذا الموسم “القمح” جيد نتيجة تحسن الوضع مع توفير مستلزمات الإنتاج ووفرة الأمطار.
مؤشرات حصاد مبكر
يعكس واقع الحقول هذا العام صورة أكثر تفاوئلاً، إذا يؤكد المزارع علام الدين المحمد من قرية عرب الملك على تحسن لافت في واقع الموسم، مبيناً أن لديه مع إخوته نحو مئة دونم مزروعة بالكامل بالقمح، وأن معظم أراضي القرية اتجهت لهذا المحصول.
ويقول: السنة سنة قمح، وقد سَلُمَ أكثر من 90% من المحصول رغم غمر المياه الزرع في بداياته، وهناك كثيرون سيباشرون الحصاد بعد عشرين يوماً مع اكتمال السنبلة.
التسعير… الفيصل في القرار الزراعي
ورغم التفاؤل بالموسم، يؤكد المزارعون لـ”الحرية” أن استدامة هذا التحسن تبقى مرهونة بسياسة تسعير عادلة، تضمن تحقيق هامش ربح مقبول وتشجعهم على الاستمرار في زراعة القمح كمحصول استراتيجي، مشيرين إلى أن تحسن الإنتاج وحده لا يكفي، ويبقى السعر العامل الأكثر تأثيراً في قراراتهم المستقبلية، لافتين إلى أن الحالة العامة للموسم الحالي تتفوق على سابقه من حيث الإنتاج المتوقع.
علاقة متجذرة بالأرض
بدوره، يرى الخبير بالشؤون الزراعية السبعيني أحمد صالح من خلال تعامله مع المزارعين عبر الرابطة الفلاحية ومزاولته للزراعة لعقود من العمل، أن المزارع في ريف جبلة لم ينفصل يوماً عن أرضه، رغم ما تكبده من خسائر، موضحاً في حديثه لـ”الحرية” أن العلاقة بين المزارع وأرضه تتجاوز الحسابات الاقتصادية، وتشبه “حالة كيميائية” خاصة.
ويؤكد أن المزارع، بحكم خبرته ومتابعته اليومية، قادر على مواجهة التحديات، لكنه يحتاج إلى الدعم ليستمر في الإنتاج، خاصة وأن الزراعة تمثل مصدر العيش الأساسي لشريحة واسعة من السكان.
مؤشرات رسمية تعكس تحسناً ملحوظاً
من جهته بيّن رئيس دائرة زراعة جبلة المهندس باسل ديوب لـ”الحرية” أن: المساحة المخططة /13034/ دونماً، والمساحة المزروعة /7339/ دونماً، وهي أعلى من المساحة المزروعة في الموسم السابق /3870/ دونماً، مشيراً إلى أن الزراعات جميعها بعلية، وأكبر مساحة مزروعة في قرية الدالية /1000/ دونم، يليها الأشرفية /956/ دونماً، ثم الروضة /695,5/ دونما، مبيناً أن أهم الأصناف المزروعة: أصناف شام (3-5-7-9) وأصناف دوما (1ـ 3) وبحوث (4-6)، إضافة إلى أصناف بلدية يحتفظ بها المزارعون من إنتاج الموسم السابق.
متابعة فنية واستقرار صحي
ولفت ديوب إلى أن الحالة العامة للمحصول جيدة وهناك توقعات بإنتاج جيد، الطور الحالي في جبلة يتراوح بين الإزهار والنضج اللبني، ويتم حالياً التسميد الورقي، كما تتم مراقبة وتتبع ظهور الأمراض وخاصة الأصداء والتفحمات، ومراقبة الحشرات وخاصة المن والسونة ودودة الزرع، ولا توجد حالياً أي إصابات اقتصادية.
تحديات قائمة رغم التحسن
وأوضح ديوب أن انخفاض المساحة المزروعة عن المساحة المخططة يعود إلى عدة عوامل، أبرزها:
ـ تخوف المزارعين من خسارة الموسم بعد ظروف الجفاف، وقلة الهطولات المطرية والتقلبات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال الموسم السابق.
ـ ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج (بذار ـ أسمدةـ مواد مكافحةـ محروقات..) بالمقارنة مع القدرة الشرائية للمزارعين.
ـ انخفاض السعر التسويقي للمحصول مقارنة بالتكاليف.
ملامح المرحلة المقبلة
وأكد ديوب أنه في حال استمرار الظروف المناخية المناسبة، وعدم انتشار الأمراض والحشرات، فإن التوقعات تشير لإنتاجية جيدة من القمح.
وبين معطيات ميدانية مشجعة وتحديات اقتصادية قائمة، يقف موسم القمح في جبلة عند نقطة مهمة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة للمحصول، وقد تشكل بداية استعادة ثقة المزارعين، ألا وهي التسعيرة، فإذا ترافقت وفرة الإنتاج مع سياسات داعمة، سنضمن استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يشكل ركيزة أساسية في الأمن الغذائي.