“الصحافة السورية… من الانتشار الفيروسي إلى بناء الثقة الرقمية”

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – حسين الإبراهيم:

  • كيف يحول الصحفي السوري الفيديو الفيروسي على تيك توك إلى تحقيق موثوق؟
  • لماذا يتحول الانتشار الفيروسي في سوريا إلى شائعات دون بناء ثقة رقمية؟
  • ما هي الأدوات التقنية التي يجب على الصحفي السوري إتقانها لبناء مصداقية؟
  • أين تكمن قوة الصحافة السورية الحقيقية: في الملايين من #المشاهدات أم في قلوب الجمهور؟

في سوريا، حيث يبدأ في كل يوم 12 مليون مستخدم رقمي بـ “واتساب” كباب أول للأخبار – رسالة صوتية تنتشر كالنار في الهشيم، تليها مجموعات فيسبوك التي تجمع ملايين – أصبح الانتشار الفيروسي سلاحاً ذا حدين. يصل الخبر إلى كل بيت في دقائق، لكنه غالباً ما يذوب في بحر الشائعات، حيث لا تثق سوى 35% بالإعلام الرقمي (تقرير Edelman 2026).

الانتشار الفيروسي هو ظاهرة رقمية تنتشر فيها المعلومات، المقاطع، أو الرسائل بسرعة فائقة عبر الشبكات الاجتماعية، نتيجة مشاركتها طواعية بين المستخدمين؛ إذ تتضاعف معدلات الوصول بشكل مشابه لانتشار الفيروسات الحيوية، مدفوعة بالعاطفة أو الطرافة أو الصدمة.

الصحفي هنا ليس مجرد كاتب، بل مهندس ثقة، يحول الرسالة الواتسابية أو الفيسبوكية إلى تحقيق يبني جسوراً مجتمعية.

هذا المقال يحاول عرض المهام الجديدة، مستلهماً تجارب عالمية، لتحول الفيروسي من فوضى إلى قوة تغيير.

الانتشار الفيروسي… الفرصة والفخ 

تخيل رسالة واتساب تنتشر في دمشق صباحاً: “كهرباء 24 ساعة قادمة “، تصل إلى مئات المجموعات في دقائق، ثم تتحول إلى منشور فيسبوك يحصد آلاف التفاعلات. في سوريا، حيث تشير بيانات 2026 إلى أن 90% من الجمهور يعتمدون على واتساب كمصدر أولي للأخبار، أصبح الانتشار الفيروسي سلاحاً ذا حدين. هذا الانتشار يمنح الصحفي فرصة ذهبية للوصول إلى الناس حيثما وجدوا، متجاوزاً بيروقراطية الإعلام التقليدي، تماماً كما فعلت حملة “#ضوء_سوري” التي حركت الرأي العام وضغطت ميدانياً لتحسين الخدمات.

لكن الفخ يكمن في “حرب السرديات”.

عالمياً، أثبتت تجارب مثل تغطية BBC لأزمات مشابهة أن السر في استعادة الثقة لا يكمن في سرعة النشر، بل في "التحقق الموازي".

يقول جيف جارفيس (وهو باحث أمريكي بارز متخصص في الصحافة الرقمية والابتكار الإعلامي): “الفيروسي ليس نهاية، بل بداية للثقة إذا بني عليها”. في سوريا، يتحول الفيروسي من فخ للشك إلى جسر للمصداقية فقط حين يمارس الصحفي مهام “حارس البوابة الرقمي”، محولاً الرسالة الواتسابية المشبوهة إلى مادة مفحوصة وموثقة، ليكون الانتشار وسيلةً لنشر الحقيقة لا لتفتيتها.

مؤسسات الإعلام… من غرف الأخبار إلى مراكز الثقة الرقمية 

في بيئة إعلامية سورية تعاني من تآكل الثقة، لم تعد المؤسسة الإعلامية مجرد “محرر أخبار”، بل تحولت إلى “مركز لإنتاج الثقة”. المهمة الجديدة للمؤسسات ليست في زيادة عدد المنشورات على فيسبوك، بل في إعادة صياغة “عقد الثقة” مع الجمهور الذي يغصّ بالمعلومات المضللة.

بدلاً من الاستثمار في أدوات باهظة أو منصات يغيب عنها السوريون، تكمن قوة المؤسسة في بناء “خلايا تحقق مجتمعية”؛ أي تدريب الصحفيين على مهارات التحقق الأساسية التي يمكنهم ممارستها حتى من هواتفهم الشخصية، وتحويل غرف الأخبار إلى منصات للرد على الشائعات المنتشرة عبر واتساب.

التجربة العالمية للمؤسسات الكبرى، مثل "The Guardian"، أظهرت أن القيمة تكمن في الشفافية المفرطة؛ إذ تشرك هذه المؤسسات جمهورها في عملية صناعة الخبر، ما يحول المتابع من مستهلك سلبي إلى شريك في "حراسة الحقيقة".

في السياق السوري، يمكن للمؤسسة أن تتبنى نموذج “غرفة الأخبار الهجينة” التي لا تعتمد على ميزانيات ضخمة، بل على “عقلية الابتكار” (Design Thinking)؛ كأن تقوم المؤسسة بإنشاء مجموعات واتساب موثوقة (Community Channels) تقدم أخباراً خاضعة للفحص بدقة للمشتركين، بدلاً من التنافس على خوارزميات فيسبوك المتقلبة.

وكما يشير ريتشارد غرينوالد الصحفي الاستقصائي الأميركي في “Columbia Journalism Review”: “الثقة هي العملة الرقمية الوحيدة التي لا تفقد قيمتها في أوقات الأزمات”.

إن مهمة المؤسسة السورية اليوم هي أن تكون “المرجعية” التي يلجأ إليها المواطن عندما تصله رسالة مشبوهة عبر واتساب. القوة الحقيقية للإعلام السوري لا تقاس بملايين المشاهدات التي تأتي من فيديوهات مثيرة للجدل، بل تقاس بمدى قدرة المؤسسة على جعل الجمهور يقول: “قرأتُها في تلك المؤسسة، إذاً هي حقيقة”.

التحديات والحلول العملية 

التحدي الأكبر للصحفي السوري لا يكمن في غياب التكنولوجيا، بل في “فوضى المعنى”. عندما تتحول منصات مثل فيسبوك إلى ساحات تصفية حسابات، يصبح التحدي هو كيفية استعادة السيطرة على السردية.

فوضى المعنى” مفهوم يشير إلى حالة من الاضطراب المعلوماتي تنتج عن غزارة المعلومات وتضارب الروايات وتزييف الحقائق، ما يجعل المتلقي في حيرة دائمة، عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والشائعة، حيث تفقد المعلومات قيمتها المرجعية ويصبح “التشكيك” هو السائد.

لا يتطلب الحل تقنيات مدفوعة أو أدوات ذكاء اصطناعي معقدة، بل يتطلب “صحافة التدقيق الميداني”؛ وهي العودة إلى القواعد الأساسية: مطابقة الشهادات، التأكد من مصادر الفيديو عبر أدوات بحث مجانية (مثل البحث العكسي عن الصور في غوغل)، وتوسيع دائرة التواصل المباشر مع الناس عبر مجموعات واتساب الموثقة.

النجاح هنا يكمن في تحويل “التحقق” من عملية تقنية مملة إلى “خدمة مجتمعية”؛ فبدلاً من تجاهل الشائعات، تقوم المؤسسة بإنتاج بطاقات إخبارية بسيطة (Infographics) تشرح لماذا كان الفيديو الفلاني مفبركاً، وتوزعها في مجموعات واتساب.

هذا الأسلوب حقق نجاحاً ملحوظاً في مبادرات محلية عام 2025، حيث تحولت الشائعات إلى فرص لتعليم الجمهور مهارات التمييز بين الحقيقة والتزييف. وكما تؤكد كلوديا بريس الخبيرة في استراتيجيات الإعلام والسياسات الثقافية، في تقرير اليونسكو للإعلام لعام 2026: “في عصر الخوارزميات، تظل الصحافة الرصينة هي شكل المقاومة الأكثر تأثيراً”. المهمة الجديدة هي أن نستخدم الأدوات الرقمية لنبني “مجتمعاً واعياً”، لا لنزيد من “ضجيج المشاهدات”.

القوة في الثقة لا في المشاهدات

في نهاية المطاف، تبقى الصحافة في سوريا رحلة بحثٍ عن الحقيقة وسط ركام الشائعات. إن التحول من “الانتشار الفيروسي” إلى “بناء الثقة الرقمية” ليس مجرد خيار تقني، بل هو واجب مهني وأخلاقي يعيد الاعتبار لمهنة الصحافة.

لا تكمن قوتنا كصحفيين في عدد المشاهدات التي تحصدها منشوراتنا، بل في حجم الثقة التي يمنحنا إياها القارئ عندما تشتد الأزمات ويغيب اليقين.

اليوم، تبدأ المهام الجديدة من هاتفك؛ من رسالة واتساب تصحح بها معلومة، ومن تحقيق فيسبوكي يفتح نافذة للأمل. فلنحول الأدوات الرقمية من ساحات للضجيج إلى منابر للوعي، ولتكن غايتنا أن نكون المرجعية التي يطمئن إليها المواطن السوري.

سوريا لا تحتاج لمزيد من الفيديوهات الفيروسية بقدر ما تحتاج لصحافةٍ تحترم عقل جمهورها وتبني معه جسوراً من الثقة لا تهدمها خوارزميات التضليل.

Leave a Comment
آخر الأخبار