خبراء المهجر بين الإدارة الحديثة والإعمار: هل يشكل العائدون السوريون “قوة ضاربة” لاقتصاد وطني جديد؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

ترتفع اليوم وتيرة التحديات الاقتصادية، ومع تطلع الأمم إلى استثمار كل طاقاتها لبناء مستقبل مزدهر، تبرز قضية استقطاب الكفاءات والخبرات الوطنية المهاجرة كركيزة أساسية لتحقيق النهضة، فسوريا، التي تمر بمرحلة دقيقة من مراحل بناء الدولة الحديثة، تجد في أبنائها المنتشرين في أصقاع الأرض، ولا سيما في الدول الصناعية الكبرى، ثروة بشرية لا تقدر بثمن، إنها خبرات صقلتها ميادين العمل المتقدمة، وباتت جاهزة لتضخ دماً جديداً في شرايين الاقتصاد الوطني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على طاولة القرار الاقتصادي: كيف يمكن لهذه الكنوز البشرية أن تجد طريقها إلى وطنها، وتتحول من مجرد إمكانيات هائلة إلى قوة دفع حقيقية على أرض الواقع؟

المارد السوري في الخارج ينتظر مفتاح العودة

وعلى طاولة القرار الاقتصادي يقدم الدكتور عامر خربوطلي، المدير العام لغرفة تجارة دمشق والخبير الإقتصادي ومن خلال رؤية استراتيجية عميقة صرح بها لـ”الحرية”، حول كيفية تحويل الخبرات المكتسبة في الخارج إلى قوة دافعة للتنمية المحلية، فهو لا يتحدث عن مجرد أيدٍ عاملة، بل عن سوريين اختبروا بيئات المنافسة العالمية، وعادوا حاملين أكثر من مجرد حرفة.

ويبين خربوطلي أن أي خبرات يكتسبها السوري خارج سوريا، وخاصة في دول تعتبر من الدول الصناعية العشرين، ومنها تركيا هي من الاقتصاديات الكبيرة، وهذا يعطي مساحة كبيرة من الاستفادة سواء من الخبرات أو من رؤوس الأموال أو بطريقة الإدارة الحديثة التي يتم فيها العمل.

جسر من الخبرة.. نحو قفزة في جودة الإنتاج

وعن الخبرات التي اكتسبها العمال السوريون في تركيا، خاصة في قطاعي النسيج والصناعات الغذائية، والتي من شأنها أن ترفع جودة الإنتاج داخل المنشآت المحلية؟ هنا، يرى خربوطلي في العائدين للأم سوريا جسراً حياً ينقل أنظمة الجودة التركية التي تستهدف التصدير، وأساليب الإدارة الحديثة التي تواكب الأسواق العالمية، وإنها، وفق رؤيته، خبرات لا تقتصر على تشغيل آلة، بل تمتد إلى فهم سلاسل التوريد، ومعايير السلامة الغذائية، وكيفية بناء منتج ينافس في الأسواق الخارجية.

من عامل إلى صاحب مشروع.. تحول استراتيجي

وهنا نرى أن الطموح الأكبر يبقى في تحويل هؤلاء العمال إلى قادة لمشاريع صغيرة ومتوسطة، تساهم في سلاسل القيمة للصناعات القائمة، ليوضح خربوطلي قائلاً: إن السوريين الذين كانوا أو عاشوا فترات مهمة في حياتهم في تركيا، لابد لهم بالنهاية أن ينقلوا هذه التجربة، أو ينقلوا فروعاً من نشاطاتهم في تلك الدولة إلى وطنهم الأم الذي يحتاجهم في هذه المرحلة المهمة من بناء سوريا الجديدة.

لافتاً إلى أن هذه الرؤية تحمل في طياتها تحولاً نوعياً من استيراد خبرة فردية إلى توطين صناعات متكاملة، ومن استقطاب عمالة مدربة إلى خلق بيئة حاضنة لمشاريع يمكنها أن تحل محل المستوردات، وتخلق منتجات منافسة محلياً وخارجياً.

حوافز استثنائية لاستقطاب صنّاع المستقبل

وبينما يبدو المشهد واعداً، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن للدولة والقطاع الخاص معاً استقطاب هذه الكفاءات لقيادة خطوط إنتاجية في مصانع سورية متعطلة أو متقادمة تقنياً؟

يجيب د.خربوطلي مشدداً على أن الحوافز ليست ترفاً، بل شرط للنجاح، و هذا يتعلق أولاً بمنحهم مزايا تشجيعية لإقامة هذه الورشات والمعامل وطرق العمل الحديثة، ومن خلال تسهيل حصولهم على الترخيص وعلى التسجيلات التجارية والصناعية، مشيراً إلى أن قانون الاستثمار يمنحهم هذا النوع من العمل والإنتاج بكفاءة وبميزات.

وإن هذه الإجراءات التي تبدو فنية، تمثل في جوهرها إعلان ثقة من الدولة بقدرة أبنائها على إعادة بناء الصناعة الوطنية، وتأكيداً على أن عودة الخبرات لا تقل أهمية عن استقطاب رأس المال.

بوابة سوريا إلى الأسواق الخارجية

وفي لحظة تتجه فيها السياسات الاقتصادية نحو الانفتاح والتنافسية، يتحول امتلاك عمالة مدربة وفق معايير تصديرية إلى ميزة تنافسية كبرى، وهنا يوضح خربوطلي قائلاً: إن العمالة المدربة ذات الكفاءة هي كنز للاقتصاد السوري، وهي أهم المرتكزات والقدرة التنافسية للمنتجات السورية، كما أن العامل المبتكر وصاحب العمل البارع هو أحد أساسيات النجاح الاقتصادي في مراحل قديمة من القرن الماضي، أي فترة ما بعد الاستقلال في سوريا.

ويضيف، في سياق يؤكد فيه أن التحديث لا يلغي الجذور، بل يبني عليها بأن اليوم مع التطور العالمي والتقانات والتكنولوجيا الحديثة، تعود أيضاً المهارة والكفاءة والقدرة على التصنيع والتجارة والدخول للأسواق الخارجية، وهذا أمر مهم جداً يحتاجه الاقتصاد السوري، وهنا يؤكد بدوره بأنه يجب أن تكون هناك جملة من المحفزات، للعائدين للوطن مثل: إنشاء مراكز تدريب مهنية ليُستفاد من هذه الخبرات، وعلى مستوى غرف التجارة والصناعة أيضاً لابد من محفزات، لتأطير هذه الكفاءات والمهارات والخبرات

في إطار القطاع الخاص السوري، الذي سيكون له اليد الأولى في نجاح التجربة الجديدة للاقتصاد السوري المعتمدة على الانفتاح والتنافسية والاقتصاد الحر.

ويشير خربوطلي إلى أن هذه الرؤية تستند إلى تجارب دولية ناجحة، حيث لعبت الكفاءات العائدة من المهجر أدواراً محورية في نهضة اقتصادات مثل كوريا الجنوبية والهند في مراحل معينة، ما يجعل من تجربة استقطاب الخبرات السورية من تركيا ودول الاتحاد الأوروبي نموذجاً واعداً، خاصة في قطاعات التميز التاريخي لسوريا، مثل النسيج، والغذائيات، والصناعات الكيميائية البسيطة.

وطن يُبنى بخبرات أبنائه

ويختم خربوطلي، إن استثمار الخبرات السورية العائدة من المهجر ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لبناء سوريا الجديدة، ففي كل عامل عائد، وفي كل مشروع صغير ينشأ، وفي كل مصنع يعود إلى الحياة، تكمن بذرة أمل لمستقبل اقتصادي مزدهر، إنها دعوة للجميع، دولة وقطاع خاص، لاحتضان هذه الطاقات، وتوفير البيئة المناسبة لها لتزهر وتثمر، ولتكن سوريا من جديد منارة للصناعة والإنتاج في المنطقة، مستلهمة من تاريخها العريق، ومستفيدة من خبرات أبنائها في الحاضر.

غير أن السؤال الأكبر يبقى مفتوحاً على صفحة المستقبل: هل يمكن توفير البيئة الحاضنة التي تجعل من هذه الكفاءات العائدة محركاً أساسياً لنهضة صناعية حقيقية، أم ستظل هذه الخبرات تنتظر في دهاليز البيروقراطية سنواتٍ أخرى؟

Leave a Comment
آخر الأخبار