زيلينسكي في دمشق.. تحول جيوسياسي كبير يؤشر إلى مرحلة جديدة من إعادة رسم العلاقات الدولية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة :

تأتي الزيارة الاستراتيجية للرئيس الأوكراني إلى سوريا في إطار تحركات دبلوماسية لافتة تشهدها الساحة السورية، وسط مؤشرات على انفتاح متزايد وبناء مسارات سياسية إقليمية ودولية جديدة.

حيث تشهد سوريا في المرحلة الراهنة تحولات جذرية على مستوى العلاقات الخارجية، مع عودة قنوات التواصل مع عدد كبير من الدول بعد سنوات من العزلة السياسية التي فرضها النظام البائد، وتؤدي تركيا دوراً محورياً في الملف السوري، ما يجعل زيارة وزير خارجيتها إلى دمشق ذات دلالات خاصة، خصوصًا في ظل محاولات إعادة ترتيب العلاقات الثنائية.

خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود بينّ لـ” الحرية” أن التقارب السوري – الأوكراني يستند إلى مسار تراكمي، بدأ بلقاء الرئيسين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2025، وسبقه تمهيد عبر زيارة وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى دمشق نهاية عام 2024، في أول زيارة من نوعها منذ سنوات.

لذلك فإن زيارة الرئيس الأوكراني، تُعدّ خطوة لافتة في سياق توسيع أوكرانيا لحضورها الدبلوماسي، وربط ملفاتها الدولية بساحات إقليمية مؤثرة، في ظل استمرار الحرب وسعيها إلى بناء شبكة علاقات أوسع.

ترسيخ تحالفات سوريا الجديدة

ونوه الدكتور عبود بأن هذه الزيارة المشتركة تعكس تقاطع مصالح متعددة في الساحة السورية، التي لا تزال تشكل نقطة ارتكاز في التوازنات الإقليمية والدولية، مع استمرار التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية. والزيارة تأتي بعد بضعة أشهر من استئناف العلاقات الدبلوماسية رسمياً بين أوكرانيا وسوريا في أيلول 2025، ما يجعلها أول اختبار عملي لمسار الانفتاح الجديد بين البلدين.

مما سبق، الزيارة تهدف لترسيخ تحالفات سوريا الجديدة، وفي مقدمة هذه التحالفات الجديدة دولة أوكرانيا بما تمثّله من ثقل اقتصادي، وبما يقود لبناء شراكات اقتصادية وأمنية جديدة، وسط تعزيز التعاون مع تركيا التي تربطها علاقات استراتيجية مع أوكرانيا، بحكم القرب الجيو سياسي وتشابك المصالح والملفات المشتركة، وما يمنح الزيارة بعداً جيوسياسياً هاماً، هو دور تركيا كوسيط ومحور توازن في التقارب الأوكراني- السوري.

من أبرز دلالات الزيارة هو تقديم الدعم الإضافي لسوريا الجديدة، وبناء علاقات دبلوماسية واقتصادية جديدة بناءً على القانون الدولي، ويترافق كل ذلك مع حشد إقليمي تقوده تركيا لترسيخ التعاون وبما يعزز التنسيق المشترك التركي- الأوكراني- السوري في الملفات الدفاعية والإقليمية.

تحول جذري في المشهد السوري

وأردف عبود من جانب آخر، تعكس الزيارة الهامة مرحلة تغيير التحالفات بخروج سوريا من المحور الإيراني والانتقال نحو تعزيز العلاقات مع الدول الغربية وحلفائها الإقليميين، لذلك هذه الزيارة تعكس تحولاً جذرياً في المشهد السوري، حيث تسعى أوكرانيا لإنشاء تحالفات دولية جديدة.

وفي سياق مساعي الحكومة السورية لبدء إعادة الإعمار تأتي هذه الزيارة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع بلد يعد خزاناً اقتصادياً للكثير من الموارد الطبيعية وفي مقدمتها الحبوب ولا سيما القمح الذي يعد مدخلاً للأمن الغذائي وبالتالي للأمن القومي.

وأوكرانيا هي سلة غذاء عالمية قادرة على توفير وضمان الأمن الغذائي لدول أوروبا وغيرها من دول العالم، وتشغل الأراضي الزراعية 71.3% تقريباً من أصل مساحة أوكرانيا الكلية البالغة نحو 604 آلاف كيلومتر مربع، وتشكل الغابات نحو 15% من مساحة البلاد. وتحتل الزراعة المرتبة الثانية من حيث الأهمية بالنسبة لاقتصاد أوكرانيا، وأبرز المنتجات الزراعية الأوكرانية تتمثّل في الحبوب (القمح، الشعير، الذرة، بنجر السكر)، إذ تحتل أوكرانيا المركز السادس عالمياً بين أبرز الدول المصدرة للقمح والذرة، ومصانعها تنتج جميع المواد الغذائية المصنعة من الحبوب. إضافةً إلى المحاصيل الزيتية (بذور وزيوت دوار الشمس والذرة بشكل رئيس).

وأشار عبود إلى أنه من الجدير ذكره أن نصف واردات لبنان من القمح تأتي من أوكرانيا، وتستورد منها اليمن وليبيا ومصر ما نسبته (على التوالي) 22% و43% و14% من احتياجاتها من القمح. ويمكن لسوريا أن تحصل على ما تحتاجه من مواد غذائية متنوعة من أوكرانيا بما يسهم في تحقيق الاستقرار.

إن زيارة الرئيس زيلينسكي إلى دمشق ليست زيارة بروتوكولية، بل مؤشر على مرحلة جديدة من إعادة رسم الاصطفافات، حيث تلتقي المصالح الأوكرانية والسورية تحت مظلة التوازن التركي، في مشهد يعكس تحولات عميقة في خريطة النفوذ الإقليمي.

Leave a Comment
آخر الأخبار