يطور منظومة الإدارة.. الحجز الإلكتروني في الحبوب يحمي الأمن الغذائي ويحد من الفساد والمحسوبية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:

تعزز الحوكمة الرقمية شفافية الأداء وتسرع الإجراءات، وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية تبرز أهمية التحول الرقمي، للحد من الفساد والمحسوبية وتطوير منظومة الإدارة. وفي هذا السياق يعد إطلاق المؤسسة السورية للحبوب مؤخراً “منصة إلكترونية”، لحجز أدوار تسليم المحاصيل، انعكاساً لتوجه الدولة نحو التحول الرقمي وتحسين الخدمات المقدمة للمزارعين، وبالتالي ستنعكس على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

القمح والشعير.. عماد الأمن الغذائي والثروة الحيوانية

وفي حديثه لـ”الحرية” استعرض الدكتور محمد محمود في كلية الاقتصاد باللاذقية أهمية محصولي القمح والشعير للاقتصاد السوري، وتقديرات الإنتاج للموسم القادم، وأهمية المنصة الإلكترونية وفوائدها المتعددة.

إذ بيّن: إن القمح يحتل مكانة استراتيجية فريدة في الاقتصاد السوري، حيث يعتمد أكثر من 23 مليون مواطن سوري بشكل شبه يومي على منتجاته، وفي مقدمتها الخبز الذي يعد العنصر الأساسي على المائدة السورية، وتشير التقديرات إلى أن متوسط استهلاك الفرد السوري من القمح يتراوح بين 150 و180 كيلوغراماً سنوياً، وهو من أعلى المعدلات عالمياً.

أبعاد اقتصادية واجتماعية

وأضاف الدكتور محمد: لا تقتصر أهمية القمح على البعد الاستهلاكي، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية متعددة، إذ تؤمن زراعته مصدر دخل لمئات الآلاف من الأسر الريفية، وترتبط بصناعات تحويلية مهمة تشمل المطاحن والمخابز وصناعة المعجنات والمعكرونة.

وأشار إلى أهمية الشعير، قائلاً: لا يقل أهمية عن القمح، حيث يمثل المحصول العلفي الأول للثروة الحيوانية، وتشكل تربية الأغنام والماعز والأبقار والدواجن، قطاعاً اقتصادياً حيوياً يؤمن مصدر دخل لملايين السوريين، وتشير الدراسات إلى أن ما يزيد على 70% من إنتاج الشعير المحلي يوجه لتغذية الحيوانات، ما يجعله محدداً رئيسياً لتكاليف الإنتاج الحيواني وأسعار اللحوم والألبان في السوق المحلية.

توقعات مبشرة

ولفت الدكتور محمد إلى أن تقديرات موسم 2026 الزراعي، تحمل مؤشرات إيجابية غير مسبوقة منذ سنوات، حيث يتوقع أن يصل إجمالي إنتاج القمح والشعير إلى نحو 2.3 مليون طن، مسجلاً قفزة نوعية مقارنة بمواسم السنوات الماضية.

وأضاف: سجل الموسم الزراعي 2025-2026 توسعاً كبيراً في المساحات المزروعة، حيث تجاوزت المساحة الإجمالية 2.8 مليون هكتار، ويعزى ذلك إلى عودة أراض واسعة في منطقة الجزيرة، وتحسن الظروف المناخية مع هطولات مطرية وصفت بـ “أمطار الخير”، وارتفاع نسبة تنفيذ الخطط الزراعية بفضل جهود وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي.

وأردف قائلاً: إن المناطق الرئيسية للإنتاج، منطقة الجزيرة تمثل نحو 60-70% من الإنتاج الوطني، ومحافظة حلب نحو 15-20%، ومحافظات حماة وحمص ودرعا مجتمعة نحو 15-20%.

ونوه بأنه استعداداً لهذا الموسم الوفير، اتخذت المؤسسة السورية للحبوب حزمة من الإجراءات الاستباقية، أبرزها تجهيز مراكز الاستلام، ففي دير الزور وحدها تم تجهيز أربعة مراكز رئيسية، كما تعمل المؤسسة على تأهيل المطاحن وتأمين احتياجات التخزين والنقل.

منصة للحجز نقلة في إدارة الاستلام

ويرى الدكتور محمد أن إطلاق المنصة الإلكترونية يأتي لحجز أدوار تسليم القمح، في سياق استراتيجية وطنية أوسع للتحول الرقمي، وتمثل نقلة نوعية في طريقة إدارة عمليات الاستلام والتسويق الزراعي، مبيناً أن المنصة تعتمد على نظام الحجز المسبق، حيث يقوم المزارع أو المورد بإدخال بياناته وبيانات المحصول، ثم تخضع البيانات للتدقيق الآلي، وبعد إتمامه تمنح المنصة المزارع موعداً محدداً وترشده إلى مركز الاستلام الأقرب، كما توفر حلولاً بديلة في حال تعطل أحد المراكز أو تعذر حضور المزارع.

وتابع: إدراكاً للفجوة الرقمية لدى بعض المزارعين، تم تخصيص فرق دعم ميداني في مراكز الاستلام لمساعدة المزارعين في إتمام عملية الحجز، ما يضمن شمولية النظام وإتاحته للجميع.

فوائد متعددة للمزارعين والمؤسسة والاقتصاد

ونوه الدكتور محمد بأن توفير الوقت والجهد يمثل أبرز مكاسب المنصة للمزارعين، حيث يمكنهم حجز موعد محدد مسبقاً بدلاً من الانتظار لأيام طويلة في طوابير الشاحنات، وتقليص تكاليف النقل والتسويق بنسبة تتراوح بين 15% و25%، وتقضي على ظاهرة الوساطة والمحسوبية، وتحسن التدفقات النقدية للمزارعين بتسريع عملية الاستلام.
كما تمكن المنصة المؤسسة السورية للحبوب من تخطيط أفضل للعمليات اللوجستية، وتحسين إدارة المخزون الاستراتيجي، وأتمتة التدقيق والتحقق من البيانات، وتوليد بيانات آنية دقيقة لصنع القرار.
أما أثرها على الاقتصاد السوري ككل: بيّن الدكتور محمد أن المنصة تسهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، ودعم الاستقرار الاجتماعي في الأرياف، وتحسين تنافسية القطاع الزراعي السوري، والحد من الهدر في الموارد الوطنية الذي كان يصل إلى 10-15% من المحصول.

خطوة نحو تحول رقمي شامل

وأوضح الدكتور محمد أن إطلاق المنصة الإلكترونية لحجز أدوار تسليم القمح لموسم 2026، يمثل خطوة ريادية على طريق تحديث القطاع الزراعي السوري، في توقيت بالغ الأهمية يتزامن مع توقعات إنتاجية مبشرة، ولا تقتصر أهميتها على بعدها التقني فحسب، بل تتجاوزها إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة، تسهم في تعزيز الأمن الغذائي ودعم الاستقرار في المناطق الريفية.

وختم قائلاً: إن نجاح هذه التجربة الرقمية في قطاع الحبوب يمكن أن يشكل نموذجاً يحتذى في قطاعات زراعية أخرى، ما يفتح الباب أمام تحول رقمي أشمل في القطاع الزراعي السوري، ويسهم في بناء نظام زراعي أكثر مرونة وكفاءة، قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار