“اقتصاد الانتباه”.. المعركة الخفية لإعادة تشكيل السلوك البشري رقمياً

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:

لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة تواصل أو أداة معرفة، بل تحول إلى فضاء متكامل يعيد تشكيل سلوك الإنسان وعلاقاته ونظرته إلى ذاته والآخرين. وبينما نظن أننا نستخدمه بحرية، تبرز تساؤلات عميقة: هل ما زلنا نحن المتحكمين، أم إن هذا العالم الرقمي بات يعيد تشكيلنا بهدوء؟

المعركة الخفية

الخوارزميات اليوم لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تحلل السلوك، وتعيد توجيه الاهتمامات، وتقترح ما يجب أن نراه، بل وما قد نفكر فيه. وهنا يكمن التحول الخطير: لم نعد نختار بالكامل، بل يُختار لنا، وهذا ما تحدث عنه الكثير من خبراء الإعلام الرقمي عبر المؤتمرات والندوات…الخ مشيرين إلى أن ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه” أصبح المحرك الأساسي للمنصات، فكل ثانية نقضيها أمام الشاشة تترجم إلى قيمة اقتصادية، موضحين أن المنصات لا تسعى فقط لجذب المستخدم، بل لإبقائه أطول وقت ممكن، حتى لو كان ذلك على حساب صحته النفسية أو جودة حياته، وهذا ما يفسر تصاعد المحتوى المثير، السريع، والمشحون عاطفياً، لأنه الأكثر قدرة على شد الانتباه.

كيف يرى الناس الإعلام الرقمي؟

في استطلاع لـ”الحرية” أكد عدد من طلاب الجامعة أن الإنترنت أصبح ضرورة لا غنى عنها في الدراسة، إذ يوفر مصادر معرفية واسعة وسهولة في الوصول إلى المعلومات.

لكن في المقابل، أشار بعضهم إلى جانب آخر أقل إشراقاً قائلين: نستخدمه للدراسة، لكننا نضيع ساعات طويلة دون أن نشعر، أحياناً ندخل بهدف محدد ونخرج دون إنجازه.

وبينت طالبة إدارة الأعمال مها عباس أن المقارنة المستمرة مع الآخرين على المنصات تجعلنا نشعر بأننا أقل، حتى لو لم يكن ذلك حقيقياً.

بين الفرصة والعبء

ويرى البعض الآخر ممن التقتهم “الحرية” أن الإنترنت فتح أبواباً لم تكن متاحة سابقاً، من حيث التعبير عن الذات وبناء مسار مهني مستقل.، فأحدهم ممن يعمل في التسويق الإلكتروني وآخر كمؤثر مبتدئ قالا: إن الإنترنت منحنا صوتاً، لكن في المقابل وضعنا تحت ضغط دائم لنكون حاضرين ومثيرين للاهتمام، مشيرين إلى أنه أحياناً يشعرا بأنهما لا يعيشان اللحظة بقدر ما يفكران في كيفية تصويرها ونشرها.

تسهيلات تقابلها مخاوف

تتباين آراء المستخدمين بين الإشادة بالفوائد اليومية، مثل سهولة التواصل وإنجاز المعاملات، وبين القلق من تراجع الخصوصية، تقول نجاح سعيد المدّرسة المتقاعدة: أصبح كل شيء أسرع وأسهل، لكننا فقدنا جزءاً من هدوء حياتنا، لم يعد هناك فرق واضح بين ما هو خاص وما هو عام، ومن فوائده: تسهيل الوصول إلى المعرفة والمعلومة، تعزيز التواصل رغم المسافات، خلق فرص عمل جديدة، تمكين الأفراد من التعبير عن آرائهم، ولكن كما ذكرت من سلبياته إهدار الوقت دون وعي،

تصاعد المقارنة الاجتماعية والشعور بالنقص، تآكل الخصوصية، الاعتماد المفرط على العالم الرقمي.

التأثير على الصحة النفسية والتركيز

ترى المختصة في علم النفس المرشدة النفسية يارا عباس أن الإنترنت دخل إلى حياتنا تدريجياً، لكنه لم يبق عند حدود كونه وسيلة مساعدة. اليوم، يحتل موقعاً مركزياً في تفاصيل الحياة اليومية، من لحظة الاستيقاظ حتى ما قبل النوم.

وأضافت: لم يعد الأمر مقتصراً على البحث والتواصل، بل امتد إلى تشكيل العادات، وتحديد الاهتمامات، وحتى التأثير في القرارات الشخصية، الاجتماعية والنفسية، فالإعلام الرقمي لم يقتحم حياتنا بالقوة، بل دخلها عبر احتياجاتنا اليومية، ثم أعاد تشكيل هذه الاحتياجات نفسها.

اقتحام هادئ وتحول عميق

وأوضحت المختصة أن المشكلة لا تكمن في الاستخدام، بل في غياب الحدود، حين يتحول الحضور الرقمي إلى معيار للوجود، يبدأ الإنسان بفقدان توازنه بين حياته الواقعية والافتراضية.

هل نستخدمه أم يستخدمنا؟

تكشف آراء المستخدمين أن العلاقة مع الإنترنت لم تعد أحادية الاتجاه، فبينما نلجأ إليه لتسهيل حياتنا، نجده في المقابل يعيد ترتيب أولوياتنا، ويوجه انتباهنا، بل ويؤثر في اختياراتنا دون أن نشعر.

وفي ظل هذا التداخل العميق، لا يبدو السؤال: هل نستخدم الإنترنت أم يستخدمنا؟ سؤالاً بسيطاً، بل هو انعكاس لواقع معقد.

الحقيقة أن الإنترنت أصبح جزءاً من تكويننا اليومي، لكن الوعي يظل العامل الحاسم، فإما أن نحسن استخدامه ونحافظ على توازننا، أو نتركه يعيد تشكيلنا بصمت.

وفي عالم مفتوح بلا حدود، تبقى الحدود التي نرسمها نحن هي الأهم.

Leave a Comment
آخر الأخبار