بشير بشير… رهان الدهشة والزخم

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- لبنى شاكر:

ربما يكون السؤال عن الجدّة، أول ما يتبادر إلى الذهن، فور سماع الإعلان عن معرض فردي رقمه الخامس والثلاثون. ولهذا، يأتي رد الفنان بشير بشير مُحمّلاً بشيء من التحدي، موازياً بين التجديد والفشل، بل إن غياب الطرح الجديد وما يعادله من متابعة وإصرار، ينفي صفة الإنجاز عن كل ما سبق، على حد تعبيره. وإن كانت الهدنة مطلوبة أيضاً، مع الذات وكل ما حولها، انتظاراً لأفكار أكثر نضجاً، وفق طرحٍ مدروس.
يستهل بشير حديثه عن معرضه المقام في المتحف الوطني في دمشق “العلاقة بين الحرف واللون”، والمستمر حتى نهاية نيسان الجاري، بالإشارة إلى توظيف خلاصة تجاربه عموماً، في اللوحات المعروضة “200 لوحة”، والتي يستمدها عادة من ذاكرة المكان بما فيه من تراث شرقي وأحياء قديمة وتضاريس طبيعية، ومن ثم ارتأى ضرورة اشتغال أعمال تنسجم مع روح المتحف، من حيث الأشكال الهندسية، والتكوينات التراثية والحروفيات، فاتجه نحو حروفية مقروءة بوضوح، بعيداً عما قدمه من قبل.

“غياب الطرح الجديد وما يعادله من متابعة وإصرار.. ينفي صفة الإنجاز عن كل ما سبق”

روح الخط

وعلى ما يقوله في حديث لـ “الحرية”، فهو يُؤكد باستمرار على أنه ليس خطاطاً بالمعنى الكلاسيكي، ولم يكن ميالاً يوماً لتوزيع الخط بقواعده الصارمة، إنما يعنيه استلهام روح الخط وحركته وانسيابه، وتوظيفه ضمن العمل ليخرج البناء الفني متكاملاً ومقروءاً يربط بين اللون والحرف، وهو ما ينسحب على مختلف المعروضات من لوحات، ومجسمات، وجداريات، تبرز بينها “لوحة/برفان”، بطول 8 أمتار وعرض مترين ونصف، رسم بشير على وجهيها الأمامي والخلفي، مُتيحاً الفرجة من جميع الجهات.
في ميدان التجديد أيضاً، يستحضر بشير خلفيات لوحاته التي كانت تنطلق من منظر طبيعي أو بُعد ما، لكنه في إحدى اللوحات التي تصور “شقائق النعمان”، تساءل “لماذا لا يكون الجذع الذي يحمل الوردة حرفاً؟”، وسرعان ما حوّله إلى حرف “ميم”، صانعاً توليفة من حالة طبيعية مع الحرف العربي المقروء، تحت مُسمى “دورة الحياة”، وكما يُوضح فاللوحة تبدأ من روح الطبيعة وتتطور بإضافة عناصر زخرفية وبناءات شرقية وتراثية، وإن كانت الغاية الضمنية أوسع، فالحياة لا تتوقف عند نقطة ثابتة، وكذلك نحن.
وفي السياق ذاته، يُقدّم بشير مجموعة أعمال تحت عنوان “نوافذ”، قوامها حروف مقروءة، إلى جانب عبارات مثل “هو الحق”، “توقع خيراً”، و” كل هم سينجلي”، بحيث يتداخل المعنى مع اللون والخط وكل ما يُمكن للمتلقي رؤيته من عناصر، وهو ما طبقه على مجموعة واسعة من لوحات تتضمن أسماء الله الحسنى، من بينها اسم “الودود”، استخدم فيها خطوط الديواني والرقعة والثلث مع اللون البرتقالي، ليعطي إحساساً يتوافق مع المعنى، كذلك في كلمة “هيمتني” التي تبدو محصورة ضمن دائرة مغلقة.

يُؤكد بشير باستمرار على أنه ليس خطاطاً بالمعنى الكلاسيكي ولم يكن ميالاً يوماً لتوزيع الخط بقواعده الصارمة

حروفيّة مُنوعة

الاشتغال على الحروفية، دفع التشكيلي كذلك للتعاطي معها بأسلوب تجريدي كامل، فتخلى عن الشكل التقليدي للحرف كلياً، نحو رؤية خاصة، وهو المعروف باللعب على البصريات. وفي المقابل نرى في معرضه أعمالاً يلتزم فيها بقواعد الخط العربي ونسبه ونظمه، سعياً لإرضاء الذائقة الكلاسيكية من المهتمين، الباحثين عن الدقة والانضباط والمهارة التقنية، فكتب سورة الفاتحة بالخط الديواني وخط الرخام، كما أدخل العناصر الزخرفية ضمن الخطوط الواقعية، لافتاً إلى نزوعه نحو الفوضى المنظمة ضمن العمل الفني، بما لا يقبل أي قيد.
وهو ما نراه في جدارية يعلوها حرفا الضاد والقاف، وتبعاً لما يقوله، استلهم فكرتها من أن الحرف يمكن أن يكون كبيراً، تتوالد منه أحرف صغيرة. ويعتمد هذا العمل على مزج اللونين الأزرق والأحمر مع الأبيض وقليل من الأصفر، ومن هذا المزيج ولدت بقية الألوان الأخرى، كالبرتقالي والفيروزي. إذاً فالعمل يحتفي بانبثاق الحرف واللون في كتلة واحدة، كأن تشكيلة لا نهائية من الرموز، تتبلور داخل إطار فني معاصر، غني بالتفاصيل والجزئيات والإيحاءات.

اللوحة المُعاصرة

يُراهن بشير على الدهشة والزخم، اللذين يشعر بهما زوار معرضه الخامس والثلاثين، ويرى فيهما انعكاساً للمحطات التي مرّت بها تجربته عموماً، ولعلّ هذا ما أراده من عرض مجموعة كبيرة من أعماله، تجمع محطات مختلفة توقف عندها، نذكر منها الكثير عن عوالم الشرق الثريّة، والتي استعاد فيها حكايات شهرزاد وشهريار، وما فيها من صراعات وأساطير وخيالات. لافتاً إلى التزامه مستقبلاً إقامة معرض سنوي كالمعتاد، لكن التكثيف الحاضر اليوم، سيؤول في المعرض القادم إلى اختزال في العدد، يُجاريه طرح جديد، لا زال فحواه قيد التفكير والدراسة.

ويرى بشير أن هذا البحث المستمر، تأكيدٌ على أن اللوحة المعاصرة تحمل أفكاراً وقضايا تتجاوز الحالة الجمالية الطاغية عليها، فهي لم تأتِ من الفراغ أو العدم، بل تحمل في جوهرها امتداداً وامتلاءً بالذاكرة إضافة إلى ما تسمح به من إضافات وتجديد وابتكار، حتى يُمكن عدّها اختباراً حقيقياً لقدرة الفنان على الإحياء وإعادة البناء والتصوّر، وفي مشواره لطالما احتفظ بأسلوبيةٍ واحدةٍ وطابعٍ بصريٍّ خاص، اعتدنا رؤيتهما في معظم لوحاته، مع تجديد بطريقة العرض واختلاف في التقنية والتكوين.

Leave a Comment
آخر الأخبار