الحرية– مركزان الخليل:
بعد سنوات من صراع عنيف دمر العديد من القطاعات الحيوية في سوريا، يجد اقتصادنا الوطني نفسه على مفترق طرق صعب، ما بين مساعي الإعمار وتحقيق النمو من جهة، وبين الجمود الاقتصادي الذي يهدد بتفاقم الأوضاع الاقتصادية من جهة أخرى، فمنذ ساعات التحرير الأولى تسعى الحكومة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني من خلال مجموعة من السياسات التنموية والإصلاحات التي تشمل توفير البنية التحتية، واستعادة الإنتاج المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ولكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي في ظل تأثير العقوبات الدولية والتي تم الغاء قسم كبير منها مؤخراً، والتحديات السياسية والاقتصادية التي مازالت تلاحق قطاعاتنا الاقتصادية حتى الآن.. ؟
الخبير الاقتصادي ” محمد الحلاق” يسلط الضوء خلال حديثه لـ”الحرية” على أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري بعد التحرير وانطلاق ثورة الإعمار والبحث عن حلول للخروج من حالة الجمود التي يعيشها الاقتصاد والمواطن على السواء.
بين الخراب والحاجة إلى الإنعاش
مؤكداً ” الحلاق” أن الاقتصاد الوطني تعرض لضرر هائل نتيجة سنوات من الصراع والنزاع أدى إلى تدمير العديد من المنشآت الصناعية، الأمر الذي أدى لتراجع الإنتاج المحلي، وتدهور قطاعات مثل الزراعة والنقل، ومع بداية مرحلة التحرير، بدأت البلاد تستعد لمواجهة تحديات ضخمة لإعادة بناء هذا الاقتصاد المعطوب في معظم مفاصله..!
خطوات الإعمار بطيئة
وأضاف: الحكومة السورية تحاول اليوم النهوض بالاقتصاد عبر مشاريع كبيرة، مثل إعادة بناء البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق والمرافق العامة، مع التركيز على جذب الاستثمارات المحلية والدولية، وتدعم الحكومة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في محاولة لتعزيز القطاع الخاص وتوفير فرص العمل أيضاً.
تحديات تعيق النمو المستدام
كما أن الجهد الحكومي لم يقتصر على ما ذكر، بل هناك جهود كبيرة تبذل لتحقيق قفزات نوعية، لكن رغم ذلك يبقى الاقتصاد السوري يواجه تحديات كبيرة، كتأثير العقوبات الاقتصادية رغم رفع الكثير منها ما يجعل استيراد المواد الخام والتكنولوجيا الحديثة أمراً صعباً، كما أن نقص التمويل، إلى جانب تدهور البنية التحتية، يقف عائقاً أمام تحقيق أي نمو اقتصادي حقيقي.
السياسة الخارجية وعلاقتها بالاقتصاد الوطني
وأوضح ” الحلاق” أن هناك مسألة في غاية الأهمية تتعلق بدور السياسة الخارجية والعلاقة مع الخارج، حيث تلعب السياسة دوراً مهماً في تحقيق التعافي الاقتصادي، من خلال تعزيز العلاقات مع الحلفاء والأصدقاء في محاولة لجذب الاستثمارات، وإنهاء التأثيرات السلبية للعقوبات الاقتصادية، التي كانت مفروضة على بلدنا خلال السنوات السابقة، ولكن تظل العلاقة مع الغرب والتحديات السياسية المستمرة عائقاً كبيراً أمام استعادة الثقة الاقتصادية.
إمكانية استعادة العافية الاقتصادية
لكن أمام هذا الواقع ثمة أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الواقع وحول آفاق مستقبل الاقتصاد الوطني في ظل التحديات المذكورة وطريقة معالجتها، منها هل تستطيع بلدنا استعادة عافيتها الاقتصادية..؟
والإجابة في رأي “الحلاق” أن الحكومة تبذل جهوداً لتحقيق الانتعاش الاقتصادي وإيجاد فرص تنموية تسمح بتحقيق استدامة مصادر قوة الاقتصاد الوطني، لكن يبقى الوضع السياسي الداخلي والخارجي، عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الاقتصاد، مع استمرار التحديات، وقد تحتاج سوريا إلى مسار طويل من الإصلاحات السياسية والاقتصادية لتحقيق النمو المستدام.
تحديات قطاع الأعمال
لكن من خلال المتابعة للواقع الاقتصادي اليوم فهناك آراء كثيرة حول حالة الجمود لكن الجميع متفق على ضرورة المعالجة الفورية والبداية من الحكومة وإجراءاتها على أرض الواقع، من هنا يرى رجل الأعمال”فيصل المنان” أن عملية الإعمار تتم بشكل بطيء للغاية بسبب تدهور البنية التحتية وارتفاع تكاليف المواد الخام، فضلاً عن صعوبة الحصول على التمويل اللازم، دون إغفال ما تركته العقوبات الاقتصادية التي فرضت على بلدنا لسنوات طوال من تأثيرات جانبية كثيرة، مازلنا حتى هذه اللحظة نعيش أدق تأثيراتها، والتي تجعل من الصعب على الشركات المحلية التعامل مع الأسواق العالمية، فنحن بحاجة إلى إجراءات حكومية سريعة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية لتوفير سيولة مالية ضرورية لتسريع وتيرة الإعمار.”
بحاجة لخطوات انعاشية
وهناك مشاطرة في الرأي من الصناعية “فاطمة” حيث أكدت أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات هائلة بعد عملية التحرير، لكن هناك بعض الأمل في المستقبل، فالحكومة اتخذت بعض الخطوات لإعادة الإعمار، خاصة في مجال البنية التحتية التي تضررت بشدة، ونحن نرى الآن اهتمامًا أكبر بإعادة بناء القطاع الزراعي والصناعي، وهذا مؤشر جيد، ولكن لا يزال هناك حاجة ماسّة لإصلاح النظام المالي والمصرفي لتوفير الدعم للقطاع الخاص، ولكن يجب على الحكومة فتح قنوات التمويل بشكل أكبر، وتحفيز الاستثمارات المحلية والدولية من خلال تسهيلات جديدة تترجم مجملها على أرض الواقع..
تطوير سياسات مشجعة للاستثمار
تؤكد معظم الآراء وجود تحديات كبيرة، لكن هناك أيضًا فرص يمكن استغلالها في عملية الإعمار، والخلاص من حالة الجمود، وبالتالي من الضروري أن تتحرك الحكومة بسرعة لإزالة العقبات التي تواجه القطاع الخاص، وتعزيز الدعم المالي، وتطوير سياسات تشجع على الاستثمارات المحلية والدولية، فقط من خلال هذه الاستراتيجيات يمكن لسوريا أن تتجاوز فترة الجمود وتحقق نهضة اقتصادية مستدامة في المستقبل.