الحرية- ميسون شباني:
في لحظةٍ تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الفنية العامة، يفتح سيف سبيعي باب العودة إلى إرث والده، الفنان الراحل رفيق سبيعي، لا بوصفه أرشيفاً غنائياً فقط، بل كحالةٍ ثقافية لا تزال قادرة على التأثير والامتداد في الوجدان السوري والعربي. بين الحنين والوعي الفني، تتشكل هذه العودة كقراءة جديدة لتراثٍ لم يغادر أصحابه يوماً، بل بقي حاضراً في تفاصيل الناس وأصواتهم.
حين تتحوّل الذاكرة إلى فن
يقول الفنان سيف سبيعي إن استعادة تراث والده، الفنان الراحل رفيق سبيعي، ليست مشروعاً نوستالجياً بقدر ما هي محاولة لإعادة إحياء ذاكرة فنية كاملة لا تزال تنبض في وجدان الناس. فالفن، كما يراه، لا يُحفظ في الأرشيف، بل يعيش حين يُعاد تقديمه بروحه الأصلية وقدرته على الوصول إلى الجمهور من جديد.
ومن هنا يبدأ سيف سبيعي رحلته مع أغنية «يا صلاة الزين»، التي يصفها بأنها المفتاح الأول للدخول إلى عالم والده الفني، وإلى تلك الحالة التي جمعت بين الطرب الشعبي والمونولوج الساخر والصدق الإنساني.
«يا صلاة الزين»… بداية الحكاية واستعادة الصوت
يستعيد سيف سبيعي أغنية «يا صلاة الزين» بوصفها عملاً طربياً عريقاً في أصله، فهي من كلمات الشاعر الكبير بيرم التونسي، وألحان وغناء الموسيقار زكريا أحمد، وقد شكّلت إحدى علامات الطرب العربي الكلاسيكي الذي حمل روح الزمن الجميل. ويضيف سبيعي بأن الأغنية في تجربة رفيق سبيعي لم تبقَ ضمن إطارها التقليدي، بل تحوّلت على خشبة المسرح في ستينيات القرن الماضي إلى حالة فنية شعبية خاصة، أعاد من خلالها تقديمها بروح المونولوج الذي ميّزه، فاقترب بها من الناس أكثر، وأضاف إليها بعداً اجتماعياً وساخراً يعكس الحياة اليومية ببساطتها وتناقضاتها.
حين يصبح المونولوج مرآة المجتمع
يقول سيف سبيعي إن والده، المعروف بـ«أبو صياح»، لم يكن مجرد مؤدٍ لأغانٍ أو مونولوجات، بل كان فناناً شعبياً استطاع أن يحوّل الفن إلى مرآة تعكس المجتمع بكل تفاصيله. فقد جمع في أدائه بين الغناء والتمثيل والنقد الاجتماعي الخفيف، ليخلق لوناً فنياً خاصاً ظلّ حاضراً في الذاكرة السورية.
ويرى أن ما قدّمه رفيق سبيعي لم يكن للترفيه فقط، بل كان نوعاً من التوثيق الفني للحياة اليومية، فهو حوّل النكتة إلى رسالة، والسخرية إلى وعي، واللحن إلى صورة عن الناس.
استعادة لا استنساخ
يؤكد سيف سبيعي أن مشروعه لا يقوم على إعادة إنتاج الماضي كما هو، بل على استعادة روحه وإعادة تقديمه بما يليق بالحاضر. ويقول: “ما أفعله ليس إعادة أغنيات قديمة فقط، بل إعادة فتح نافذة على ذاكرة فنية شكّلت جزءاً من وجدان الناس”. ويعتبر أن اختيار “يا صلاة الزين” كبداية لم يكن مصادفة، بل لأنه عمل يجمع بين الطرب الأصيل والروح الشعبية التي ميّزت والده، ويختصر فلسفته الفنية القائمة على القرب من الناس والبساطة والصدق.

قراءة في التراث
ويستذكر سيف سبيعي الجلسة التي جمعته بالموسيقي والمطرب نهاد نجار، والتي شكّلت مساحة حوار حول تراث رفيق سبيعي وأهمية إعادة تقديمه للأجيال الجديدة. مؤكدا على قيمة المونولوج في تجربة والده، بوصفه فناً اجتماعياً ذكياً يجمع بين الضحك والنقد، ويعكس تفاصيل الحياة اليومية بلغة قريبة من الناس. وأشار سبيعي إلى أن هذا التراث لا يجب أن يبقى في إطار الحنين، بل ينبغي أن يُقدّم بروح معاصرة تحفظ أصالته وتمنحه حياة جديدة.
ذاكرة لا تغيب
يختم سيف سبيعي حديثه بالتأكيد على أن تراث والده لا يزال حياً في وجدان الجمهور، وأن استعادته ليست مجرد وفاء شخصي، بل محاولة لإبقاء هذا الصوت حاضراً في الذاكرة الفنية العربية، كما كان دائماً: قريباً من الناس، صادقاً، وقادراً على البقاء.