اقتصاد الظل في سوريا.. أكثر من 50% من الاقتصاد الكلي.. بين ضرورة معيشية وتحديات تنظيمية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية– بادية ونوس:

في ظل الواقع المعيشي الضاغط لغالبية الأسر، يبرز «اقتصاد الظل» كخيار لشريحة كبيرة من المجتمع، إذ تزيد نسبته على 50% من الاقتصاد الكلي، وفي المقابل، يحتاج إلى تنظيم ومراقبة لتصب الرسوم المحققة في الخزينة العامة، إيجابيات وتداعيات هذا النوع من الاقتصاد واقتراحات لتفعيله بالشكل الأمثل كانت أهم نقاط ما نتناوله في هذا الموضوع.

ضرورة معيشية فرضتها الظروف

لم يعد «اقتصاد الظل» ظاهرة يمكن تجاهلها، بل أصبح واقعاً يومياً يلامس حياة شريحة واسعة من المواطنين، ففي ظل الظروف المعيشية الصعبة، من ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع فرص العمل النظامية، يبرز هذا النوع من الاقتصاد كخيار متاح أمام الكثيرين، بل يمكن القول إنه تحول تدريجياً من خيار إلى ضرورة معيشية تفرضها الظروف أكثر مما يختارها المواطنون بإرادتهم، وفق الخبير الاقتصادي والاستراتيجي مهند زنبركجي.

زنبركجي: تعتمد عليه شريحة كبيرة ويحقق دخلاً سريعاً

يضم أصحاب خبرة

في توصيف لتسمية «اقتصاد الظل»، يبين الباحث زنبركجي، في حديثه لـ«الحرية»، أنه نشاط اقتصادي يتم خارج الإطار الرسمي للدولة، أي دون تسجيل قانوني أو رقابة حكومية أو التزام بالضرائب والرسوم، يشمل طيفاً واسعاً من الأعمال، بدءاً من الباعة الجوالين والحرفيين الصغار، مروراً بمهن خدمية تتم ممارستها بشكل مستقل، وصولاً إلى أنشطة أكبر قد تكون منظمة لكنها تعمل بعيداً عن القوانين.
اللافت في هذا الاقتصاد أنه لم يعد مقتصراً على الفئات الهشة أو غير المتعلمة، بل بات يضم أيضاً مهنيين وأصحاب خبرات اختاروا العمل خارج الإطار الرسمي هرباً من التعقيدات الإدارية أو التكاليف المرتفعة.

توليد دخل سريع

في الواقع الحالي، يعتمد عدد كبير من الأسر على هذا الاقتصاد كمصدر رئيسي أو إضافي للدخل، خاصة في ظل محدودية الرواتب في القطاعين العام والخاص وعدم كفايتها لتغطية الاحتياجات الأساسية.
هنا يظهر «اقتصاد الظل» كمساحة تتيح للأفراد توليد دخل سريع دون الحاجة إلى إجراءات معقدة أو رأس مال كبير، كما يمنحهم قدرة على التكيف مع تقلبات السوق بشكل أسرع من الاقتصاد الرسمي.

تداعيات عميقة

رغم أن هذا الاقتصاد قد يبدو في ظاهره حلاً عملياً لتأمين الاحتياجات اليومية، إلا أن له تداعيات عميقة على المستوى الاقتصادي العام.
ويؤكد الخبير الاستراتيجي زنبركجي أن «اقتصاد الظل»، بطبيعته غير المنظم، يؤدي إلى خسارة الدولة لموارد مالية كبيرة نتيجة التهرب الضريبي، ما يضعف قدرتها على تمويل الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، كما أنه يخلق منافسة غير عادلة مع الشركات النظامية التي تتحمل أعباء قانونية ومالية، في حين يعمل الآخرون دون هذه الالتزامات، ما قد يدفع بعض المنشآت المنظمة إلى الخروج من السوق أو الانضمام بدورها إلى الاقتصاد غير الرسمي.

سلبيات عديدة

من السلبيات الأعمق لهذا الاقتصاد أنه يساهم في تشويه البيانات الاقتصادية، فتصبح المؤشرات الرسمية مثل الناتج المحلي أو معدلات البطالة أقل دقة، ما يعيق اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة، كما أن العاملين في هذا القطاع يفتقرون إلى الحماية القانونية والاجتماعية، فلا تأمين صحي ولا تقاعد ولا ضمانات، ما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية أو الصحية.
كذلك، فإن غياب الرقابة قد يؤدي إلى تدني جودة بعض السلع والخدمات، أو انتشار ممارسات غير آمنة أو غير مطابقة للمعايير.

يضعف ثقة الأفراد

لا يمكن تجاهل أن توسع «اقتصاد الظل» على المدى الطويل قد يعيق أي محاولة للإصلاح الاقتصادي، لأنه يضعف ثقة الأفراد بالدولة ومؤسساتها، ويكرس ثقافة العمل خارج القانون كأمر طبيعي -يضيف زنبركجي- ومع الوقت، يصبح من الصعب إعادة دمج هذه الأنشطة ضمن الاقتصاد الرسمي، خاصة إذا ترسخت كجزء من بنية السوق. مع ذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر الإجراءات القسرية أو التضييق فقط، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد من الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة.

تخفيض الرسوم

يؤكد الخبير الاقتصادي والمتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر زنبركجي أن الحل يكمن في تحسين بيئة العمل الرسمية، من خلال تبسيط الإجراءات، وتخفيض الرسوم، وتقديم حوافز حقيقية للانضمام إلى الاقتصاد النظامي.
كما أن تعزيز الحماية الاجتماعية ورفع مستوى الدخل في القطاعات الرسمية يمكن أن يقلل من الحاجة إلى اللجوء إلى «اقتصاد الظل». ومن المهم تطوير آليات مرنة تسمح بدمج الأنشطة الصغيرة تدريجياً، مثل منح تراخيص مبسطة أو فرض ضرائب منخفضة تتناسب مع حجم النشاط، بدلاً من فرض أعباء كبيرة تدفع الأفراد إلى البقاء خارج النظام، إلى جانب ذلك، يلعب الوعي دوراً مهماً، إذ يجب توضيح فوائد العمل ضمن الإطار الرسمي على المدى الطويل، سواء من حيث الاستقرار أو فرص النمو.

حبزة: يحتاج إلى تنظيم وضوابط منعاً للغش والمخالفات

يحتاج إلى تنظيم وضوابط

يشكل «اقتصاد الظل» ما يزيد على 50% من الاقتصاد الكلي، حيث يوجد في الأقبية والورشات الصغيرة والبسطات المنتشرة هنا وهناك خوفاً من أعين الرقابة.
ووفق عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، فإن هذا النوع من الاقتصاد يحتاج إلى تنظيم ووضع ضوابط ومنح تراخيص مقابل دفع رسوم معينة تصب في الخزينة العامة.

لا يحتاج إلى ملاءة مالية

النقطة الأهم أن هذا النوع من الاقتصاد يخفف الأعباء عن الحكومة من ناحية إيجاد فرص عمل لمئات الأشخاص، مبيناً أن كل بسطة تشغل العديد من الأفراد وبالتالي تعيل عشرات الأسر، ناهيك عن أنه لا يحتاج إلى ملاءة مالية كبيرة.
ويبين أمين سر حماية المستهلك حبزة لـ«الحرية» أنه يحتاج إلى نوع من التنظيم من خلال تنظيم الورشات أو أصحاب الحرف وغيرها في منطقة معينة، ويتم ترخيصها ومنحها رقماً معيناً، وبالتالي تحقيق نوع من الضبط منعاً للمخالفات أو وجود غش معين، ومن خلال تلك الإجراءات يصبح هناك إشهار لهذا النوع من العمل كالمشروعات الصغيرة، مقابل منح تسهيلات معينة، بموازاة العمل على أهمية نشر التوعية وبث الاطمئنان، لأنه بالنهاية يصب في المصلحة العامة وينعش السوق المحلية.

Leave a Comment
آخر الأخبار