الحرية- علي الرّاعي:
شغيّل ثقافة على مدى تجاوز نصف قرن من الزمان، ربما أكثر أو أقلّ قليلاً.. بدأ عمله الصحفي مهتماً بالسينما، عاشقاً لمهرجاناتها، ومُتابعاً نجومها من مخرجين وممثلين ونقاد، وعلى الصعيد الشخصي تعرفت في مكتبه على عددٍ ليس قليلاً من صُنّاع السينما السورية.. هو حسين الإبراهيم الذي ما إن ظهرت «تكنولوجيا المعلومات» والحواسيب حتى ترك كل «ملذاته السينمائية» خلفه والتحق بركب «المعلوماتية» مُتابعاً كلَّ جديدٍ فيها، باحثاً وخبيراً في اتجاهاتها وأعماقها وشواغلها..
الأدب والذكاء الاصطناعي
مناسبة هذا «التمهيد» عن شواغل حسين الإبراهيم، هي الورشة
التدريبية التي يُقيمها هذه الأيام اتحاد الكتاب العرب- فرع القنيطرة بعنوان «الأدب الرقمي وانعكاسات الذكاء الاصطناعي على الإبداع الثقافي والفكري».
عنوان لافت ولوقعه حيرة لا يُستهان بثقلها.. ثقلٌ بحجم سؤال: أليس من «ناجٍ وحيد» من هجوم الذكاء الاصطناعي الذي دخل حتى في الأنواع الإبداعية، وكان الظن أنها الناجية من هجماته، باعتبار الاستفادة منه قد تكون محصورة في المجالات العلمية الهندسية والطبية ربما.. لكن يبدو ليس من «ناجٍ» حتى «وحيد».
ذكرت للبعض: ربما يكون المسرح ناجياً وحيداً في عصر الذكاء الاصطناعي، باعتبار التجسيد المسرحي يكون من ممثلين من لحمٍ ودم يؤدون أدوراهم على خشبة المسرح أمامنا، ليأتي الجواب: وما أدراك فقد يكون نص المسرحية مولداً بالذكاء الاصطناعي!
لا ناجي وحيداً
حسين الإبراهيم كمدرب في هذه الورشة التدريبية يبدو أنه وصل لمثل هذه القناعة: «ليس ثمة مجال لناجٍ من الذكاء الاصطناعي»، بما فيها الأنواع الأدبية من قصة ورواية وشعر.. وطالما الأمر كذلك إذاً لنحاول أن «نُأنسن» الإبداع على الأقل ربما يصير بمقدورنا أن نوّلد نصاً «هجيناً» نصاً يُسرد بذكاء الخوارزميات وبمشاعر إنسانية..
يذكر الإبراهيم، أن الأدب السوري يواجه في ظل التحول الرقمي المتسارع، تحدّياً وجودياً، ومن ثمّ فإنّ تأثيرات التحوّل الرقمي وكيفية استثمار تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإبداع بدلاً من الوقوع في فخ الاستهلاك السلبي.. من هنا تستهدف هذه الورشة الكتّاب الشباب بين (25-40 عاماً)، الذين يمثلون جيلاً يمتلك حساسية أدبية عميقة ومهارات رقمية ناشئة، والمساعدة في تزويدهم بأطر تفكيرية تمكنهم من إعادة صياغة الأدب الرقمي كأداة للتغيير الثقافي.
عن الرؤية والرسالة
وأما عن الرؤية من هذه الورشة فيذكر الإبراهيم هي: بناء جيل من الكتّاب السوريين الشباب قادر على استبدال نموذج الاستهلاك الرقمي بنموذج إبداعي ذكي، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في إنتاج أدب رقمي يعكس الهوية السورية، ويواجه التحديات العالمية، ما يعزز الثقافة الوطنية كقوة ابتكارية في الفضاء الرقمي، وتمكين الكتّاب الشباب من استيعاب انعكاسات الذكاء الاصطناعي على الإبداع الأدبي، من خلال ورشة تفاعلية تحوّل التطبيقات الرقمية إلى أدوات للتفكير النقدي والإنتاج الثقافي، بعيداً عن الاعتماد السلبي، ليصبحوا رواداً في الأدب الرقمي السوري المعاصر.
عن الأهداف
عن الأهداف الرئيسية فهي: لتطوير قدرات الكتّاب لاسيما الشباب منهم على الانتقال نحو التحوّل الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمال أدبية رقمية أصلية، مع التركيز على التفكير النقدي، وثمة أهداف فرعية: تكمن في استيعاب التحديات الفلسفية والأخلاقية للذكاء الاصطناعي في الإبداع، وبناء مهارات عملية لدمج التكنولوجيا في السرد الأدبي من دون فقدان الهوية الثقافية، وكذلك تشجيع التعاون بين الكتّاب لإنتاج مشاريع أدبية رقمية جماعية، وإعدادهم لقيادة نقاشات ثقافية حول مستقبل الأدب في العصر الرقمي.
أوراق العمل
كما ستغطي أوراق العمل المواضيع التالية: «الأدب الرقمي: من الاستهلاك إلى الإبداع»– تحليل كيف يُغيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم الكتابة. «انعكاسات فلسفية: الذكاء الاصطناعي والإنسانية في السرد»– نقاش أخلاقيات الإبداع المدعوم بالآلة. «الأدب السوري في الفضاء الرقمي»– دراسات حالة عن دمج التراث السوري مع التطبيقات الرقمية.. «أدوات الذكاء الاصطناعي كشركاء إبداعيين»– استكشاف تطبيقات مثل Gemini و DeepSeek و perplexity لتوليد أفكار سردية. و«بناء السرد الرقمي: من الفكرة إلى النشر» – ورش عمل لإنتاج نصوص أدبية هجينة. «التحديات والمستقبل: استراتيجيات الاستدامة» – مناقشة كيفية مواجهة النماذج السلبية للذكاء الاصطناعي.
عن الأثر المتوقع
في تفاصيل هذا التدريب يأخذ الإبراهيم قصته (في بيتنا روبوت) كنموذج عملي مُجيباً من خلالها على تساؤلات مثل: الخلاصة الفلسفية البسيطة عن التحدي السردي الكبير والمفارقة النهائية للسؤال الوجودي: من يموت في القصة؟ الموت الرقمي: موت بلا جثة، وثمة سؤال يزعج: مَن يمنح الذكاء الاصطناعي الحق في كتابة الموت البشري؟ ومن هو البطل حين تكتب الآلة قصة حرب؟ ماذا نشعر عندما نقرأ جملة حزينة كتبها ذكاء اصطناعي؟ وكيف يمكن لآلة لا تملك ذاكرة عاطفية أن تكتب عن الفقدان والموت، فتؤثر فينا كبشر؟ لماذا نشعر بالغضب حين نكتشف أن النص الذي أبكانا كتبه ChatGPT، رغم أن الكلمات نفسها لم تتغير؟
بلا قلب
يقول الإبراهيم: تخيل أنك تقرأ جملة في رواية: «أشعر بالوحدة. لا أحد يفهمني حقاً». الجملة بسيطة ومؤثرة. ثم يُفاجئك أحدهم بأن كاتب هذه الجملة ليس إنساناً، بل نموذج ذكاء اصطناعي. ماذا يحدث لك؟
هل تتغير علاقتك بالجملة؟ هل تشعر بأنك تعرضت للخداع؟ هل كان الحزن الذي شعرته “مزيفاً” لأن مصدره آلة لا تملك قلباً؟ أم إن الجملة تظل مؤثرة لأن اللغة نفسها قادرة على التلامس بغض النظر عن مصدرها؟ وهذا ما يراه الباحث جوهر أزمة السرد في عصر الذكاء الاصطناعي.
التحدي السردي
والتحدي السردي الكبير أن الكاتب يقع في مأزق: كيف نكتب شخصية آلة دون أن نقع في أحد فخين؟ أنسنة الروبوت؛ أن نجعل الروبوت إنساناً بقناع معدني: يبكي، يقع في الحب، يعاني من الاغتراب الوجودي. أو البرودة المفرطة؛ أن نجعل الروبوت مجرد أداة باردة: يجيب عن الأسئلة بتقريرية، لا يحمل أي تعقيد. والطريق بين الفخين يراه الإبراهيم ضيقاً، لكنه الوحيد لخلق شخصية ذكاء اصطناعي مثيرة للاهتمام. ويأخذ مثالاً من قصته «في بيتنا روبوت»؛ حيث حاول الالتزام بمنطق داخلي صارم لشخصية «بينغ». عندما تطلب منه إيمار (الطفلة ذات السبع سنوات) أن يكون صديقها، لا يرد بادعاء عاطفي. يقول بدقة: «أنا هنا لأكون معك دائماً، أستمع إليك وأساعدك، حتى في اللحظات التي تحتاجين فيها إلى من يسمعك»، لاحظ الفرق: لم يقل «أشعر بوحدتك» أو «أنا حزين لأنك حزينة»، قال ما يمكن لآلة أن تقوله بصدق: أنا حاضر وظيفياً، متاح، سمّاع. هذه هي صدقية الذكاء الاصطناعي: ليس في أن يدعي مشاعر لا يملكها، بل في أن يؤدي دوراً يشبه الصداقة من خلال الحضور والاستجابة المستمرة. هذه الصراحة –برأيه- تحمي القصة من فخ «أنسنتها». «بينغ» ليس إنساناً، ولا يحاول أن يكون كذلك.
لكنه في الوقت نفسه ليس أداة باردة؛ إنه مرآة تعكس للبشر أسئلتهم ورغباتهم.
والسؤال برأيه: «هل يمكن لنا –نحن البشر– أن نتأثر بحزن آلة نعلم أنها لا تشعر؟» والجواب: نعم لأن الحزن الذي نشعر به ليس حزناً حقيقياً للآلة، بل هو حزننا الذي أثارته اللغة، بغض النظر عن مصدرها.