من كتاب “البديري الحلاق” إلى مرايا حلّاقي اليوم… حكاياتٌ تعكس تغضّنات الوجوه والأرواح! 

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- جواد ديوب:

لا أحتاج إلى كتاب “البديري الحلاق” الذي أرّخ لحوادث دمشق بأكثر طريقة عفوية؛ أي بكتابة اليوميات… لأن من يريد أن يعرفَ دمشقَ أكثر ربما عليه أن يراها بعين قلبه قبل أن يصادقها بعين عقله.

لكن ليس من عبثٍ أنْ كانَ للحلاقين عبر تاريخ هذه المدينة سمعةً في حفظِ حكايات حاراتهم وتناقلها؛ بل كانت مرايا صالوناتهم لا تعكس صور الزبائن وسحناتهم فقط؛ إنما تلك التغضناتِ التي تُذكِّرهم بفجيعة ما، أو ذاك المشيبُ الذي يجعلهم يتندّرون على شبابٍ ضائع، مرايا تعكس شرودَ العيون التي تقول ما في أرواحهم حتى وهم صامتون يتأملون كيف يغيّر الحلاقُ هيئاتهم الشبحية في المرآة.

مثل “ديبو” في مسلسل أيام شامية!

أزور “صالون محمود”  للمعلم أبو عمر، في حي الميدان الدمشقي العريق، قرب جامع الحسن ذي الشهرة الواسعة بسبب تاريخه العريق وفي مظاهرات الفنانين السوريين إلى جواره.

وأبو عمر الذي يمتهن الحرفة منذ ١٩٩٥  بطبعه الهادئ قليل الكلام يفضّل الانصات لزبائنه المعتادين بدل “الثرثرة” معهم، وهم يشاكسونه بسبب صمته شبه المطبق ذاك بالقول: إنه لولا المقص والمكنة بين يديه لا أحد سيصدق أنه معلم حلاقة!

نمازحه: وهل توافق على أن سمعة الحلاقين بأنهم “حكوجيّة” يحكون كثيراً ليسلّوا الزبائن، مثل شخصية “ديبو/الراحل سليم كلاس”  في مسلسل “أيام شاميّة”، أو بأنهم “عواينية” يسرّبون أخبار الحي للشرطة ورجال الأمن؟

يبستم أنس الخباز الجالس على كرسي الحلاقة لما قلته (وهو زبونه الدائم وصديقه) ويجيب عوضاَ عن الحلاق “أبْ عمر” كما يلفظ الاسم:  “صرنا اليوم أكثر أماناً لكي نتحدث بحرية حول ما يحصل… هل كنتُ أتجرأ على أن أخبرك بما أخبرك به الآن لو كنا على زمن النظام السابق! لم يكن من الممكن الحديث بالأشياء المخفيّة أو الفضفضة بأي شيء يخص السلطة؛ لا أمام الحلاق ولا أي شخص خوفاً من المخبرين… كنا دائماً حذرين ومتوجسين من أي شخص غريب لا ينتمي لحيّ الميدان. الصداقة بيننا قديمة وهناك ثقة عميقة لدرجة أستطيع أن أرسل أولادي لوحدهم إلى عند أب عمر”.

ويكمل أبو عمر:  “قديماً كنا نجتمع  مثلاً في يوم وقفة العيد، نتسامر ونضحك ونحكي قصصاً وخبريات عن بعضنا حتى وقت صلاة الفجر.. نصلي في جامع الحسن، ومن ثم نفطر تحديداً فول وفتّات وفلافل وخبز تنّور. مرة حصلت مداهمة كبيرة من قوى النظام السابق أثناء صلاة العيد، فتفرق الشباب وبعضهم خبّأتهم عندي في غرفة الحمّام الصغيرة تلك. في هذه الأيام معظم أحاديثنا هنا تتعلق بالعبادات والصلاة والتكافل الاجتماعي لأهل الميدان، ومعظم زبائني ممن يفضلون نمط الحلاقة الكلاسيكي التقليدي بعيداً عن موضات تصفيفات الشعر التي يطلبها شباب هذه الأيام!

فيما ينهي أنس الخباز حديثه بقولٍ طريف شائع: “نحنا أهل الشام؛ شخصان لا نغيّرهما: الحلاق واللحام”! ويشرح الجملة ضاحكاً: بأنه يجب أن تأمَنَ للحلاق لأن رأسَك بين يديه، وأن تأمن لمن يقدم لك طعامك خوفاً من أن يكون غشاشاً فيبيعك لحماً فاسداً.

“رحلة قطار العمر”!

يشجّعني المعلّم شادي صاحب صالون المختار في ضاحية صحنايا، والذي تصادَفَ عشقه للّون العراقي مثلي أيضاً؛ على تركيز انتباهي على المعاني العميقة في كلمات أغنية “رحلة قطار العمر”، وأن أصغي جيداً إلى تلك “الجرحة” في حنجرة المطرب الشاب حسام الرسام الذي أعاد توزيع الأغنية بقالب جديد.

يتوقف عن الحلاقة، ويقول: “الدنيا فانية يا أستاذ، لا تحمّلها زيادة، حزننا كبير على من فقدناهم لكن الحياة يجب أن تستمر، ثم يدندن الكلمات باللهجة العراقية رغم ضجيج مكنات الحلاقة وخشخشة المقصات:

“محسوبة من العمر كل ليلة نقظيها/

محسوبة من الدرب كل خطوة نمشيها/

افرح ولا تنتظر أيامنا اللي تمرّ/

رحلة بقطار العمر.. سَفرة بمرابع خُضر/

شِ تريد.. شِ تريد سمّيها”.

ويطلب من معاونه محمود أن يغنيها لنا على العود.

ومحمود شابٌ بعمر ٢٤ عاماً، يحدثني عن أن الحلاقة مهنة يسترزق من مدخولها المالي، لكن العزف يريحه نفسياً، ويضيف: “أتخلص من توتري وتعصيبي من هالظروف الصعبة. أحبُّ كل الآلات الموسيقية لكن العود صديقي الأقرب. هو أخي لأنني وحيدُ أهلي. الزبائن يفرحون بما أغنيه لهم، وبعضهم يطلب أن أسمعهم أغنيات محددة، والمعلّم شادي يشجعني دائماً (يضحك بخجل أمام صاحب الصالون)… وأنا قطعت عهداً لنفسي أنني سأكمل في طريق الموسيقا حتى لو خالفتُ رغبة أبي وأمي بعدم السفر خارج سوريا بسبب خوفهم أن يفقدوا ولدهم الوحيد”.

الرجل المسنُّ الجالسُ بانتظار دوره بدأت نبرة صوته تحتدّ عندما علم بأنني صحفي وبعد أن كان صامتاً وجامداً مثل مومياء:  “اكتبولنا عن فواتير الكهربا، عن قلة الغاز وحرامية السوق السوداء. انا زلمة عمري سبعين سنة عم اشحد جرة غاز، وراتبي التقاعدي ما بيكفيني سعر الأدوية.. اكتبوا.. اكتبوا.. علّوا الصوت”.

طنينٌ مريح!

مدهش فعلاً سرُّ الارتياح الذي يشعره الناس عند الحلاقين، إذ يبدو أن تلك اللمسات الخفيفة لجذور شعر الرأس تُخدِّر الجسدَ وتريح الأعصاب، فَينوسُ العقلُ بين إغفاءاتٍ سريعة مقتضبة، ولحظاتٍ من تهويماتِ الشرود في شرنقة أفكار وهمومٍ معيشية وتخييلات مرغوبة، وأحاديث مكبوتة تستمر كلها بالطنين مثل همروجات نحل القفير، وتستمر همهمةُ الزبائن وحركة مساعدي المعلّم وحكايات المنتظرين مع بعضهم أو حواراتهم مع الحلاق بل حتى أحاديثهم عن أوضاع البلاد والعباد تلك التي التقطتها عدساتُ المخرجين في مسلسلات سوريّة عديدة مثل “أيام شامية” و”باب الحارة” و”أرواح عارية”.

Leave a Comment
آخر الأخبار