أضحية العيد» بين فجوة سعرية 100% وانهيار الدخل.. فهل باتت شعيرة بعيدة المنال؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تعكس أسواق المواشي السورية اليوم مشهداً اقتصادياً لافتاً، تمثل في فجوة سعرية حادة بين المحافظات تجاوزت نسبتها 100%، إلى جانب أسعار قياسية لم تشهدها البلاد من قبل، حتى عند احتسابها بالدولار، ما يؤشر إلى أزمة هيكلية في قطاع الثروة الحيوانية، والتي لا يمكن إرجاعها فقط إلى انهيار العملة. وباقتراب أيام العيد أكثر فأكثر، تبدأ بورصة أسعار الماشية في الارتفاع يوماً بعد آخر حتى بلوغ أول أيام العيد.

 تقليل عمليات العرض

وتعقيباً على ذلك أوضح مدير الاقتصاد والتخطيط في وزارة الزراعة، الدكتور سعيد إبراهيم، في حديث خاص لـ«الحرية»، أن الهطولات المطرية الأخيرة أنتجت وفرة في المراعي، ما دفع مربي المواشي إلى تقليل عمليات العرض، ما فاقم شح المعروض من اللحوم المذبوحة.

 ما وراء شح المعروض

من جهته، أشار أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، إلى وجود قصور في أداء الجهات الرقابية، موضحاً أن الموازين في أماكن بيع الأغنام غير سليمة وتشهد تلاعباً.

وكشف حبزة عن قيام بعض العَلّافين بإضافة الملح إلى الأعلاف قبل البيع، ما يدفع الأغنام إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه، وبالتالي زيادة أوزانها بشكل غير دقيق. كما لفت إلى أن التهريب والتصدير إلى الخارج استنزف أعداداً كبيرة من الأغنام العواس الممتازة نحو الأسواق الخليجية واللبنانية، ما استبعد شريحة واسعة من الأسر من أداء شعيرة الأضحية هذا العام.

 تفاوت أسعار

مع رصد المتابعات الميدانية، تبين أن هناك تفاوتاً كبيراً في أسعار المواشي المحلية، إذ بلغ سعر كيلو الخروف «الحي» في كل من دمشق والشمال والجزيرة:

في دمشق وريفها: تراوح سعر الكيلو الحي بين 85 ألفاً و105 آلاف ليرة سورية، ما يعادل بين 6.1 و7.6 دولارات أمريكية (وفق سعر صرف 13,820 ليرة للدولار).

في إدلب والشمال السوري: كان السعر أقل نسبياً، إذ تراوح بين 50 و55 ألف ليرة (ما بين 3.6 و4.0 دولارات).

في محافظة الحسكة: تراوح سعر الكيلو الحي للخروف العادي بين 80 و86 ألف ليرة (ما بين 5.8 و6.2 دولارات).

وبالنسبة لأسعار الخروف الكامل الصالح للأضحية (الذي يتراوح وزنه بين 50 و70 كيلوغراماً)، بلغ سعر الخروف في دمشق وريفها بين 5 و6 ملايين ليرة سورية، أي ما يعادل 360 إلى 430 دولاراً، بينما بلغ سعر الكبش الفاخر في الحسكة ما بين 8 و10 ملايين ليرة، أي ما بين 580 و720 دولاراً.

هذه الفجوة السعرية تعكس تماماً أزمة نقل وتوزيع واحتكار، إضافة إلى تأثيرات التهريب والتصدير.

ارتفاع حقيقي للحوم المذبوحة يتجاوز 100%

مقارنة مع عيد الأضحى من العام الماضي 2025، تكشف الأرقام أن ما يحدث ليس مجرد انعكاس لضعف الليرة، بل ارتفاع حقيقي في القيمة السعرية للماشية.

ففي عيد الأضحى 2025: كان سعر صرف الدولار في السوق الموازية يتراوح بين 9,200 و9,300 ليرات للدولار، وسعر كيلو الخروف الحي يتراوح بين 47 و50 ألف ليرة (5.0 إلى 5.4 دولارات)، أما سعر كيلو اللحم المذبوح فكان نحو 50 ألف ليرة (نحو 5.4 دولارات).

أما في عيد الأضحى لعام 2026، مع سعر صرف يبلغ 13,820 ليرة للدولار، فإن سعر كيلو الخروف الحي في دمشق (85-105 آلاف ليرة) يعادل بين 6.1 و7.6 دولارات، وهو ارتفاع طفيف بالدولار مقارنة بالعام الماضي.

لكن المؤشر الأكثر دلالة هو سعر اللحم المذبوح، الذي يمثل المعيار الحقيقي للمستهلك، فقد ارتفع إلى نطاق بين 170 و220 ألف ليرة، أي ما بين 12.1 و15.7 دولاراً. كما سجل كيلو لحم العجل المذبوح تراوحاً بين 150 و170 ألف ليرة (10.7 و12.1 دولاراً).

يُستنتج أن المستهلك يدفع اليوم نحو ضعف إلى ثلاثة أضعاف السعر الحقيقي بالدولار مقارنة بالعام الماضي، ما يؤكد أن الأزمة تعكس شحاً حقيقياً في المعروض وارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، وليست مجرد انخفاض في قيمة العملة.

 تراجع الثروة الحيوانية وارتفاع أسعار الأعلاف

كما أكدت متابعات ميدانية أن الثروة الحيوانية تراجعت بنسبة تتراوح بين 40% و55% خلال السنوات الماضية، إلى جانب ارتفاع أسعار الأعلاف، حيث بلغ سعر طن الشعير 280 دولاراً وفقاً لمصادر رسمية. وقد أسهمت سياسات التصدير والتهريب في شح المعروض المحلي، بينما استغل المربون وفرة المراعي هذا الموسم للاحتفاظ بمواشيهم أملاً بأرباح مستقبلية أكبر، ما يشير إلى أن الأزمة هيكلية وليست نقدية فقط.

بدائل عملية للمواطنين

وبينما تبتعد أضحية العيد عن متناول غالبية السوريين، لا يعني ذلك أن الفرحة تغادر المنازل، فـ«حماية المستهلك» تقدّم بدائل عملية للأسر محدودة الدخل، لتُبقي روح العيد حيّة دون استنزاف الميزانية، وفي هذا السياق، قدّم المهندس حسام القصار، عضو مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك، حزمة من البدائل العملية للأسر محدودة الدخل، وهي:

الاعتماد على البروتينات النباتية (العدس، الفول، الحمص، البازلاء، الفاصوليا) كونها أقل تكلفة وتمد الجسم باحتياجاته البروتينية.

اللجوء إلى اللحوم البيضاء (الدواجن والأسماك) متى توفرت بأسعار مقبولة، كبديل أرخص من اللحوم الحمراء.

شراء عظام الذبائح وغليها لتحضير الشوربات والمرق، للاستفادة من قيمتها الغذائية.

تعاون أفراد الأسرة مع العائلة أو الجيران لشراء عجل بدلاً من خروف وذبحه وتوزيعه كأضحية، فهذه الطريقة تخفض التكلفة وتحقق الغاية والأجر بتكلفة أقل.

 إعادة هيكلة؟

في ظل تراجع الثروة الحيوانية إلى النصف، وارتفاع تكاليف الإنتاج بالدولار رغم وفرة المراعي الموسمية: هل الحل هو إعادة هيكلة دعم الأعلاف وربطها بسعر صرف ثابت للمربي الصغير، أم إن الأزمة تتطلب تدخلاً أمنياً صارماً لوقف التهريب والاحتكار الذي يرفع السعر الحقيقي بالدولار بنسبة تتجاوز 100% مقارنة بالعام الماضي؟

Leave a Comment
آخر الأخبار