الحرية – علي الراعي:
من «عشبة للأزرق» أولى مجموعاتها الشعرية الصادرة عن دار أرواد بطرطوس 2015، وحتى أحدث ما صدر لها من أعمال شعرية وصلت اليوم إلى ما يُمكن اعتباره «تجربة» جمالية في القول الشعري استطاعت من خلالها أن تُسجل الشاعرة سوسن الحجة قصيدتها في ديوان الشعر السوري، وذلك بأكثر من ملمحٍ جمالي منحها الكثير من امتلاك الأسلوب وبناء الخصوصية.. سواء لجهة بنية القصيدة وعمارتها اللغوية، أم لجهة شواغل القول الشعري لديها..
«الخيمةُ
التي هرولت إليك
يوم نمت في العراء
كانت أنا»
هكذا تنسج الحجة مناخات القصيدة بكلِّ ما ملك قلبها، لتأتي الومضة الشعرية منجزة كـ«بيت القصيد» إذ تُركز الشاعرة الفعالية الشعرية هنا، على تقديم هذا الاقتصاد من القول الشعري، والذي رغم تكثيفه، لكنه يطلُّ كمشهد، بحيث إن المشهد «التصويري» هنا يُغني عن سردٍ طويل من الصفحات، والحقيقة أنّ سوسن الحجة بقيت تنشد ومضاتها بهذه الصياغة على مدى أعمالها الشعرية في رسم مشاهد مُفعمة بعناصر الومضة الملونة بأكثر من لون.
«لا ينامُ الصّباح
يتفتّحُ في ضِحكَتِكَ
يشربُ قهوةَ آخرِ همسةٍ
نامتْ في فمِ المساء..ِ»
في النظرة العامة لنصوص «هذيان الفضة» – على سبيل المثال مجموعتها الثانية – التي كانت نقلة شعرية أخرى للشاعرة بعد مجموعتها «عشبة للأزرق»؛ تبرزُ أهم شواغل القول الشعري لدى سوسن الحجة، وذلك في روايتها لسيرة امرأة – نساء، وهي أو هنّ ينتظرن غدهن.. امرأة وهي تصقلُ وجه السماء، وتعلّم الشمس صقيعاً صقيعاً.. صور أو لوحات لنساء أو امرأة في أكثر من هيئة، وأكثر من حزن، وقليلٌ جداً من الفرح.. هنا حيث «الأنا» تتوارى بكلِّ ما حولها من شجرة ورصيف وحتى على مدى الوطن.. نساء رغم إنهن من مواليد برج الخسارة، لكنهن أيضاً عصافير رغم سقوط الكثير من ريشها، بإيمانهن بحلم الطيران الذي يبقى راسخاً وعالياً..
«العشبةُ الساكنة على طرف الطريق
تفرحُ بتربتها تكتملُ بذاتها
لا تنافسُ أحداً.. هي أنا»
لم تأخذ الشاعرة سوسن الحجة الوقت الطويل لتكشف عن ملامح نصها الشعري، ذلك النص الذي يتساوق مع الحساسية الجديدة للقصيدة في المشهد الشعري السوري، ويبدو نموذجاً جيداً لما ذهبت إليه الكتابة الجديدة، وذلك في معظم ما كتبت من قصائد لاسيما بعد أن زرعت «عشبة للأزرق» مجموعتها الأولى، والتي لم تنتظر طويلاً لتُشكّل من «هذيان الفضة» مجموعتها الثانية لوحات قصائد، تسمح للمتلقي، أو توفر له الرؤية الأوسع بـ«المنظار الأحدث».. أي إن «ضيق العبارة» لم تمنع أبداً من اتساع الرؤية والرؤيا، وذلك بما وفره النص من الإيحاء والرمز والشعرية داخله، رغم سيطرة الهموم والشواغل الشخصية التي يحفل بها هذا النص، وقد توفر كلّ ذلك دون إفراط، وذلك بـ«اللعب» على أكثر من صياغة تعبيرية، الأمر الذي وفر واقتصد في هدر البياض والرؤية بعين ثلاثية الأبعاد.
«اِحْبِسْني
بينَ أقرب ضلعينِ منكَ؛
لتنفلتَ روحي.. من سجنِهَا الكبيرِ.»
وعدّة سوسن في هذا المجال؛ ليس بانزياح المفردات والألفاظ من سياقاتها التي اعتادت الخوض فيها لزمنٍ طويل، وكما اعتاد مُجايلوها من الشعراء والشاعرات الشغل عليه، وإنما بذلك التأخير والتبديل بين ما اعتادت الكلمات أن تُصفّ فيه أرتالها المعروفة، وليكون هنا ميدانها في اللعبة الشعرية، واضعةً قارئها بحساسية اجتهدت لتكون مُغايرة..
تبدو الكتابة الحديثة اليوم، وكأنها حسمت أمرها، واتخذت أكثر من ملمح، أصبح يُشكّل حساسية النص الجديد، أقول النص وحسب، وذلك لأنّ هذا النص؛ لم يعد يكتفي بجنسٍ إبداعي يُكرس له كامل البياض، وثاني ملمح من هذه الحساسية الجديدة للنص؛ إن كامل البياض ليس واسعاً، كما قد يتبادر للذهن، ولذلك فإن أهم ما حسم النص الجديد أمره في مسألتين: الإقلال ما أمكن من السرد، أي سيادة النص القصير، ثم تداخل أكثر من جنس إبداعي بذات النص، ليُشكّل قيامة عمارته، ولعلّ أكثر ما برز في هذا المجال «الأقصودة» كما أطلقنا عليه في أكثر من مناسبة.
«خبأت الأزرق في قلبي،
تركته صباحاً
على نافذتك،
انظرني.. ملء السماء أنا»
ونص الشاعرة سوسن الحجة؛ يتساوق مع هذه الحساسية الجديدة للقصيدة، ويبدو نموذجاً جيداً لما ذهبت إليه الكتابة الجديدة، التي هي نتاج إرهاصات طويلة كاد أن يصير عمرها مئة من السنين.. كتابة استطاعت الانتقال من «النظم» الذي استنفد كلَّ جمالياته في القصيدة الموزونة، وصولاً لما هي عليه القصيدة الجديدة، وكتابة سوسن الحجة تذهب صوب هذا المنحى ليست متقصدةً ذلك أو عامدة، بل كثيراً ما يأتي عفو الخيال الشعري، وصدق الإبداع الفني لتقطف زهرات المجاز من تلك الحقول؛ قصائد توحي بكامل واقعيتها.
«ضفائري تتأرجحُ تحت الشّمسِ
تكتبُ القصيدة َ.. وتغنّي..
أسكنُ فيها كلَّ صباحٍ
أملأُ السّماءَ
أكونُ قمحَكَ».