الحرية – حسين الإبراهيم:
- لماذا يتصرف مستخدم الإنترنت أحياناً وكأنه روبوت؟
- كيف اعتاد المستخدم أن يستهلك أي شيء «رائج» دون أن يسأل نفسه إن كان يعجبه حقاً؟
- ماذا يحدث للمبدعين الحقيقيين حين يُجبرون على تقليد أساليب الحملات الوهمية لكي يتابعهم الآخرون؟
- هل يصبح «الرواج» المعيار الوحيد للجدارة، ويختفي دور الذوق الشخصي؟
يفتح عصام، وهو شاب في العشرين، تطبيق «تيك توك» قبل النوم، يظهر له مقطع لأغنية لا تعجبه. اللحن بارد، والصوت عادي، لكن الأغنية حققت ثلاثة ملايين مشاهدة وعشرين ألف تعليق، يشاهد عصام المقطع حتى النهاية، ثم يعجب به، ثم يشاركه في قصته.
سألته لماذا هذا، فقال: «الجميع يتحدث عنها، لا أريد أن أكون خارج القصة».
عصام ليس غبياً، يعلم أن كثيراً من هذا الرواج مصطنع. قرأ مقالات عن الحسابات الوهمية وحملات «فلوديفاي».. لكنه مع ذلك يفعل ما تفعله الحسابات الوهمية تماماً: يستهلك، يعجب، يشارك، ثم ينتقل إلى التالي،
لم يعد الفرق بينه وبين الحساب المزيف واضحاً.
ماذا تعلّمنا الحملات الوهمية؟
يقول الكاتب لين براون (Lane Brown) في مقال يحمل عنوان «الخلاصة مُزيَّفة» إن شبكات التواصل أصبحت فضاءً يُصنع فيه الرأي العام الذي يتم التلاعب به عبر الخوارزميات. واستند براون في ذلك إلى شهادة جو ليم، مؤسس شركة «فلوديفاي» المتخصصة في إنشاء حسابات وهمية ونشر آلاف المقاطع يومياً لصناعة الرواج المصطنع. حيث يقول: «الجميع يفعل ذلك الآن، إذا لم تكن تفعل، فأنت متأخر».
لكن ما لم ينتبه إليه براون هو السؤال الأعمق: ماذا يفعل هذا التعرض المستمر للحملات الوهمية بوعي المستخدم نفسه؟
ليس الأمر مجرد خداع، الأمر تدريب خفي، كل يوم، ولعشرات مرات، ترى مقطعاً رائجاً لا يستحق الرواج، تشاهده لأن أرقامه ضخمة. تتفاعل معه لأنك تعلم أن غيرك سيفعل، ثم بعد أشهر، يصبح رد الفعل هذا تلقائياً. لم تعد تسأل «هل يعجبني؟» بل تسأل «هل هو رائج؟».
هذا ما يمكن تسميته «التطبيع العكسي»، حيث لن يكون مهماً أن تصبح الظاهرة الشاذة مقبولة، بل إن يصبح سلوك الإنسان مطابقاً لسلوك الآلة.
التحول إلى نموذج خوارزمي
يعيد التعرض الطويل للحملات الوهمية تشكيل سلوكك. لن تحتاج بعدها إلى حساب مزيف ليقوم بذلك. ستتحول أنت نفسك إلى آلة تتبع الترند دون تفكير، إلى خوارزمية. وفق عدة مؤشرات:
استبدال الذوق بالترند
تعرف شخصاً يستمع لأغنية ويكرر أنها سيئة، لكنه لا يستطيع التوقف عن تشغيلها. يسأل نفسه: لماذا أنا مشترك في هذا؟ الجواب: لأن الكل مشترك، لم يعد للذوق معنى حين يصطدم بجدار من المشاهدات.
الإعجاب كرد فعل شرطي
تفتح الفيديو، ترى رقم المشاهدات، تضغط إعجاب قبل أن تنتهي من المشاهدة. زر الإعجاب لم يعد تعبيراً عن الإعجاب. أصبح استجابة تلقائية لوجود الرواج مثل كلب بافلوف، لكن الجرس هنا هو المليون مشاهدة.
فقدان القدرة على رؤية غير الرائج
لو عرضنا عليك فيديو لموهبة حقيقية حقق مئتي مشاهدة فقط، هل ستتوقف عنده؟ الغالب أنك ستمر سريعاً، الخوارزميات علمتك أن ما لا يروج لا يستحق الوقت، أصبح لديك «فلتر داخلي» يحذف أي شيء لا يحمل ختم الترند.
السخرية ثم الاستسلام
بعضهم يدرك أن الحملات وهمية، لكنه يتفاعل معها بسخرية أو بميمات مضادة، وهذا التفاعل نفسه يغذي الخوارزميات. ثم يأتي يوم لا يعود فيه ساخراً. يصبح جزءاً من اللعبة، يقول: «المهم أنني في المحادثة».
ماذا يحدث للمبدع الحقيقي؟
مغني مستقل يصدر أغنية جميلة. لا يملك مالاً لحملة وهمية. أرقامه عادية، يمرّ عليه المستخدمون الخوارزميون بسرعة، لا وقت لديهم لاستكشاف. الترند يستهلك كل المساحة.
يقف هذا المغني أمام خيارين: إما أن يختفي، أو يلجأ إلى نفس الأساليب التي يحتقرها، هذه هي الحلقة المفرغة، الحملات الوهمية لا تزاحم المبدعين فقط، بل تجبرهم على أن يصبحوا مثلها،
نفس الأداة تستخدمها شركات الإنتاج الكبرى، والأحزاب السياسية، وحتى حملات انتخابية كما أشار المقال. الجميع يفعلها. وإذا لم تفعل، فأنت خارج اللعبة.
المفارقة… نضحك على البوتات ونحاكيها
الحسابات الوهمية تُصنع لتقليد البشر. لكن البشر اليوم يتعلمون تقليد الحسابات الوهمية. التفاعل التلقائي، غياب التمييز، الاندفاع خلف أي شيء رائج. الفرق الوحيد أن الحساب الوهمي يدفع له المبرمج، أما الإنسان فيفعل ذلك مجاناً.
هذا ليس اتهاماً. هذه ملاحظة بدم بارد.
أظهرت دراسات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الأخبار المزيّفة تنتشر أسرع بعشرة أضعاف من الأخبار الحقيقية، ليس فقط لأن الخوارزميات تفضلها، بل لأن المستخدمين الحقيقيين يتشاركونها باندفاع أكبر.
يبدو أننا الطرف الأكثر نشاطاً في نشر ما نزعم أننا ضحاياه.
كسر الحلقة
لا مخرج سهل، لن تختفي الحملات الوهمية، شركات مثل «فلوديفاي» ستستمر، بل ستتطور بالذكاء الاصطناعي.
لكن هناك عدة خيارات يمكننا فعلها على المستوى الفردي:
الأول: جرب أسبوعاً دون متابعة أي شيء من تلك المنشورات التي حققت أكثر من عشرة آلاف مشاهدة، لنشاهد ما يقدمه المغني صاحب المئتي متابع، قد تسمع شيئاً أجمل.
الثاني: قبل أن تضغط إعجاب، اسأل نفسك: هل أنا معجب بالمحتوى أم بالعدد الذي أمامي؟
الثالث: شارك محتوى يعجبك حقاً، حتى لو كان غير رائج، لا تنتظر أن يمنحك أحد الإذن للاستمتاع.
أما الحل الجماعي، فهو أصعب، إنه يتطلب أن تعترف منصات التواصل بأنها لم تعد وسائط محايدة، إنها مصانع رغبات، لكن حتى يحين ذلك اليوم، يبقى السؤال بين يديك:
هل تريد أن تكون إنساناً يختار، أم مجرد خوارزمية تلتحق بالآخرين؟