الحرية- علي الرّاعي
على ما يذكر الناقد والروائي نضال الصالح: تعد «تجربة زكريّا تامر، على أهميتها، وعلى امتداد تاريخها، ظلت رهينة نفسها على ثلاثة مستويات بآن: شواغل القص ومؤرقاته، وعوالم التخييل القصصي، ووسائل القص وأدواته.. وإلى الحد الذي يبدو أنّ آخر نص لزكريا تامر هو أوّل نص، وأن ما بينهما لا يعدو كونه تنويعات حكائية على النص الأول من جهة، وإن ثمة ما يُشبه الثبات، أو العطالة على نحو أدقّ، في مجمل تلك التجربة، وعلى غير مستوى، من جهة ثانية».
كلام ينسحب
هذا الحكم الذي توصل إليه الناقد الّصالح في تجربة زكريا تامر، في كتابه «قبل فوات الحكاية» الصادر عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب.. رغم ذلك، فإنّ المسألة التي لا يختلف عليها ناقدان، هي أنّ التجربة التامرية تُعدُّ نسيج وحدها، وحالة العطالة، أو الدوران في المربع الأول، تنسحب على تجارب الكثير من المبدعين السوريين.. وقلما نجت منها تجربة إبداعية إلا ما ندر، حيث كان «الثابت» هو العنوان الرئيسي لتلك التجربة، فهل قدّم حنا مينة ما يفوق قيمة ثلاثيته الشهيرة “حكاية بحار، الدقل، المرفأ البعيد”؟! رغم القول الأكيد أن تجربة كل قامة من هؤلاء هي “نسيج وحدها” لكنها اتسمت بما وصفه الناقد الصالح لتجربة صاحب «النمور في اليوم العاشر»..!
دوران في المكان
وهذه يعدّها الكثيرون «ورطة» عربيةً، وليست سورية فقط، أي موجودة في ثقافتنا العربية كثيراً، وهي أن يُعرف الكاتب بعملٍ واحدٍ، يبني عليه «مجده» الإبداعي بكامله، حيث يأتي كلُّ ما يكتبه بعده تنويعاً عليه، أو صدى له، وغالباً يكون العمل الكتابي الأول، الذي يصير كـ«بيضة الديك»، كما صاروا يطلقون على هذه الحالة.. وإذا ما أردنا عرض عدد من الأسماء الروائية العربية، فسنجهد الذاكرة كثيراً لجعلها تتذكر أكثر من عمل اشتهر به الكاتب، أو أشهره لا فرق..
ولو رجعنا إلى ماضي هذه الإشكالية، فإننا نجد أنّ الكثير من كبار شعراء العربية، ومنذ ما قبل الإسلام، قد لا يُعرفون سوى بقصيدةٍ واحدة، وقد لا يُعرف الشاعر سوى ببيتٍ شعري واحد من قصيدة، أي حتى إنه لا يُعرف بقصيدة كاملة، وليس بالضرورة أن يكون هذا البيت هو أقوى أو أفضل ما كتب، حتى ليبدو مثل هذا العمل كمن وضع حساباً في البنك يصرف منه طول الوقت من دون أن يضيف عليه شيئاً.. وقلة من الأدباء من نجا، أو وجد مسلكاً للنفاذ من هذا العبء، أو تأثير هذه «البيضة»، وألا يكون ديكاً ولا بيضةً، وإنما الدجاجة التي تبيض ذهباً في كلِّ مرة ..
الثابت المتحوّل
مع ذلك مثل هذا الكاتب رغم ندرته توفر أكثر من مرة.. أي لم تخلو الساحة الثقافية من أمثلته، فالراحل هاني الراهب، منذ روايته الأولى «الوباء»، وحتى الرواية الأخيرة «ورسمت خطاً في الرمال»، وهنا نذكر، إنه في رصيد الراهب تسع روايات، استراح خلال سردها بكتابة القصة القصيرة، وقد فعل ذلك ثلاث مرات، إضافة إلى مئات المقالات والدراسات الصحفية، التي اتسمت جميعها بالتمرد، والمصبوغة بروح التّهكّم، دون أن تنسى الشاعرية كثوبٍ أو فستان، لابدّ أن يلبس أيّ نوعٍ من الكتابة، لأنه بغيرها لا معنى للإبداع، في هذه التجربة بقي الراهب طول الوقت يُقدم إضافته وانعطافاته في كلّ إصدارٍ جديد قدّمه..!
وهذا تماماً ما وسم تجربة الأديبة غادة السمان باعتبارها منقطعة عما قبلها، فقد نوّعت بين أكثر من جنس أدبي، ولم تبقَ أسيرة «كتابها الأول».. ما تحدثنا به سابقاً، كان عن تجارب الرواد، فكم ينسحب ما تقدّم على التجارب الحالية في المشهد الثقافي السوري؟!!، وفي القراءة المتأنية، سنقدّر حجم الخيبة..!!
إثارة الجدل
إذاً هل الأمر يكمن هنا في هذه النقطة تحديداً..؟! أي فيما يثيره العمل الإبداعي من جدل، ومن ثمّ فالكاتب الذكي هو من يوزّع «جدله» على كلّ ما يكتب في كلّ مرة، و ليس على عملٍ واحد فقط؟! وهل لأجل هذا الجدل الذي يثيره العمل الإبداعي من سجالات كانت أن اشتهرت روايات لكاتب دون أخرى، فصار البعض يفتعل مثل هذه الإثارة، والسجالات، ليحقق ما حققه في عمله الأول؟! وهل من هنا أيضاً، كان أن انتبه بعض الكتّاب إلى هذا الأمر، فعندما وجدوا أنه ليس بإمكانهم تقديم العمل الذي يُثير السجالات والجدل، أن كفوا عن الكتابة تماماً، واكتفوا بما قدمه لهم «وحيدهم» الإبداعي..؟!
وهل جاء أمر أن يحمل العمل الأول مهمة وضع الكاتب في مصاف المبدعين، أن يضع صاحبه كلَّ خبرته، وكامل التجربة، وبمنتهى التقنية فيه، ومن ثمُ كان أن أفلس الكاتب بعد ذلك، فلم يعد لديه ما يقدمه بعد ذلك من كتابة، أو على الأقل كتابة تضاهي العمل الأول، وكان عليه أن يعتاش عليه إلى ما لا نهاية..؟!
الأرض البكر
في حواراتي مع الكثير من الكتاب بهذا الشأن، كان لدى الكثير منهم تبريرات، ووجهات نظر، منها «طليعية» العمل، وحراثته في الأرض البكر، التي لم تكن معروفة سابقاً، فكان أن طغى على بقية أعمال الكاتب الأخرى، ومن هنا يفسر الروائي المصري جمال الغيطاني على سبيل المثال طغيان رواية «الزيني بركات» على كلّ ما كتب.. أو أنّ كلّ كاتب لديه همّاً رئيسياً يُنوّع عليه في كلّ ما يكتب؟؟، أو أنها «لعبة» النقد الذي يسلط الأضواء الكاشفة على عملٍ واحدٍ للكاتب لسببٍ، أو لآخر، ويتجاهلُ كلَّ ما يكتبه فيما بعد لسببٍ، أو لآخر أيضاً..؟!