تحفيز رأس المال الوطني والأجنبي.. ضرورة حتمية لإعادة الإعمار واستعادة النمو الاقتصادي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

تشكل مرحلة إعادة إعمار سوريا واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تضررت خلال السنوات الماضية.
معظم الآراء الاقتصادية تؤكد أن نجاح هذه المرحلة يتطلب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب توفير بيئة استثمارية جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، للمساهمة في مشاريع التنمية وإعادة البناء.
من هذا الجانب، تبرز أهمية تحفيز المستثمرين من خلال حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية التي تضمن الاستقرار والشفافية وحماية الاستثمارات، بما يسهم في تحويل فرص الإعمار إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي وتوفير فرص عمالة متجددة.

المال الوطني شريك أساسي في الإعمار

وفي هذا السياق قامت «الحرية» بتسليط الضوء على هذه المسألة من خلال اللقاء مع فعاليات تجارية مختلفة، حيث ركز الجميع على أهمية الاعتماد على المال الوطني، وضرورة أن يكون في مقدمة الجهات القادرة على قيادة عملية إعادة الإعمار، نظراً لخبرته بالسوق المحلية ومعرفته باحتياجات القطاعات المختلفة.
فقد أكد رجل الأعمال السوري فيصل المنان لـ«الحرية» أن المستثمر السوري يمتلك الرغبة والخبرة للمساهمة في المشاريع التنموية الكبرى، إلا أن ذلك يتطلب تسهيلات حكومية واضحة تشمل: تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير الحوافز الضريبية، وتسهيل الحصول على التراخيص، بما يعزز الثقة ويشجع على ضخ استثمارات جديدة.
وأكد المنان ضرورة العمل على جذب رؤوس الأموال السورية الموجودة في الخارج، باعتبارها تشكل فرصة استراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني، وأن توفير بيئة أعمال مستقرة وقوانين استثمار حديثة سيشجع العديد من المستثمرين على العودة والمشاركة في مشاريع إعادة البناء، على اعتبار أن الشراكات بين المستثمرين المحليين والأجانب يمكن أن تسهم في رفع كفاءة المشاريع الإنتاجية والخدمية.

رأس المال الوطني أساس إعادة الإعمار

بدوره، يوضح الخبير الاقتصادي إيهاب إسمندر أن إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مسألة هندسية أو مالية، بل هي عملية معقدة تتجاوز البعد الاقتصادي لتشمل الجوانب السياسية والمجتمعية، ما يتطلب رؤية شاملة تضمن تحقيق التنمية المستدامة وإعادة بناء مختلف القطاعات.

ويشكل رأس المال الوطني الأساس في عملية إعادة الإعمار، والمحفز الرئيسي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مبيناً أن المقصود برأس المال الوطني لا يقتصر على مدخرات السوريين داخل البلاد، وإنما يشمل أيضاً مدخرات السوريين المغتربين في مختلف دول العالم.

تأهيل رأس المال البشري أولوية وطنية

مع الإشارة إلى أن نجاح عملية إعادة الإعمار يتطلب، قبل أي شيء آخر، وضع برامج متكاملة لتأهيل رأس المال البشري السوري، باعتبار أن الكوادر الوطنية المؤهلة تمثل الركيزة الأساسية لإنجاز مشاريع التنمية والإعمار بكفاءة واستدامة.
ولفت الخبير الاقتصادي إسمندر إلى أن تفعيل دور رأس المال الوطني والأجنبي يتطلب توفير بيئة تشريعية وقانونية سليمة وآمنة، تضمن حقوق المستثمرين وتشجع على توظيف الأموال في مختلف القطاعات الاقتصادية، وأن من أهم السبل لخلق فرص عمل جديدة واستيعاب القوى العاملة المعطلة، تنشيط قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط إجراءاته، وتذليل العقبات التي تعوق نموه وتطوره.
 
المال الأجنبي وسد الفجوة التمويلية

وبيّن إسمندر أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا لا تقل عن 216 مليار دولار، الأمر الذي يجعل رأس المال الوطني وحده غير كافٍ لتلبية متطلبات هذه العملية الضخمة، ما يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه رأس المال الأجنبي، ولا سيما في مشاريع البنية التحتية الكبرى كالمطارات ومحطات الكهرباء وشبكات الطرق وبناء المدن.

عقبات قانونية أمام تدفق الاستثمارات

لكن ثمة عقبات كثيرة تقف أمام تفعيل هذا الدور وتنشيطه بالصورة المطلوبة، والتي يراها الخبير إسمندر في قضايا أساسية تتعلق بحماية الاستثمارات وتحديد ملكيات العقارات وسجلاتها، وآليات تسوية المنازعات الاستثمارية، وهي عوامل قد تحد من تدفق الاستثمارات الوطنية والأجنبية إلى مشاريع إعادة الإعمار.
كما أشار إسمندر إلى أن أبرز الأدوار المنتظرة من رأس المال الأجنبي هي: توفير التمويل اللازم لسد الفجوة التمويلية التي لا يستطيع رأس المال الوطني تغطيتها، إضافة إلى نقل التكنولوجيا الحديثة والمتطورة إلى سوريا، والعمل على توطينها من خلال تدريب الكوادر الوطنية وتأهيلها للتعامل معها، وبالتالي، فإن دخول مستثمرين أجانب إلى السوق السورية يُعد مؤشراً مهماً على تعافي الاقتصاد الوطني وتعزيز الثقة ببيئة الاستثمار في البلاد.

ضرورة إدارة الاستثمارات بما يخدم التنمية

وأكد إسمندر أن الاستثمارات الأجنبية، سواء كانت من أفراد أو شركات أو دول، ترتبط بطبيعتها بمصالح اقتصادية، الأمر الذي يفرض ضرورة إدارة هذه الاستثمارات بطريقة تضمن عدم تحولها إلى أعباء مالية أو أدوات ضغط على الاقتصاد الوطني. مع الحذر من أن بعض الاستثمارات الأجنبية قد تركز على القطاعات الأكثر ربحية دون مراعاة أولويات التنمية، ما قد يؤدي -في حال غياب الإدارة السليمة- إلى تعزيز الطابع الريعي للاقتصاد وإضعاف فرص النمو المستدام.
من هنا نجد أن إعادة إعمار سوريا تمثل مشروعاً وطنياً واقتصادياً واسع النطاق يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها القطاع الخاص المحلي والمستثمرون الأجانب. لكن يبقى رأس المال الوطني نقطة الانطلاق الأساسية لهذه المرحلة، واستقطاب الاستثمارات الخارجية يبقى عاملاً مهماً لتوفير التمويل والخبرات والتقنيات اللازمة.
 

Leave a Comment
آخر الأخبار