الحرية – مركزان الخليل:
مع استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتراجع مستويات الدخل، تعيش الأسر السورية واقعاً اقتصادياً ضاغطاً يفرض عليها إعادة التفكير في أسلوب إدارة مدخولها الشهري، في ظل استمرار الأدوات الفاعلة لفرض حالة عدم الاستقرار التي يستفيد منها متنفذو الأسواق.
وبين متطلبات المعيشة الأساسية من غذاء وسكن وصحة وتعليم، يجد كثير من أرباب الأسر أنفسهم أمام معادلة صعبة، تفرض سؤالاً واحداً يشغل بال الجميع: كيف يمكن تلبية الاحتياجات الأساسية بأقل الموارد الممكنة دون الدخول في دائرة العجز والديون؟
تحديد الضروريات
تحاول صحيفة «الحرية» تسليط الضوء على واقع إدارة ميزانية الأسرة السورية، من خلال لقاءات ميدانية مع بعض الأسر، للوقوف على تفاصيل الإنفاق الشهري وقدرتهم على التأقلم في هذه الأوضاع الصعبة.
يقول محمد عطية، موظف وأب لأربعة أطفال إن راتبه لم يعد يغطي سوى جزء بسيط من احتياجات الأسرة، مضيفاً: «نحاول ضمن المستطاع تحديد الأولويات وتقليل المصاريف، لكن حتى الأساسيات أصبحت مرهقة، وفي كثير من الأحيان نضطر للاستغناء عن بعض المواد الغذائية أو تأجيل شراء مستلزمات ضرورية، ونضع برنامجاً أو خطة تتوافق مع دخل الأسرة ضمن سلم الأولويات، لكنها غالباً لا تنفذ».
وتؤكد زينب بكور، ربة أسرة لعائلة عدد أفرادها ستة، أن التخطيط الشهري أصبح شبه مستحيل، وتقول: «في السابق كنا نضع ميزانية واضحة في بداية الشهر، أما الآن فكل شيء يتغير بسرعة بسبب ارتفاع الأسعار اليومي وتراجع مستويات الدخل وتدني الأجور اليومية التي لم تعد تغطي جزءاً بسيطاً من الإنفاق اليومي، فكيف الحال على مستوى الشهر؟ وهذه حال معظم الأسر السورية هذه الأيام».
تذبذب القدرة الشرائية
ولأهل السوق كلمتهم فيما يحصل في الأسواق، باعتبار أن القوة الشرائية تعنيهم بشكل مباشر، فكلما كان دخل الأسرة مرتفعاً، ازدادت حركة الأسواق ونشطت التجارة بكافة مستوياتها.
ويرى التاجر زهدي العمري أن الحركة الشرائية تشهد تراجعاً ملحوظاً ومستمراً، موضحاً: «المواطن أصبح يشتري بكميات أقل ويختار الأرخص فقط، حتى بعض المواد الأساسية يتم استبدالها ببدائل أقل تكلفة على حساب الجودة في معظم الأحيان، ونحن كتجار نعاني من ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية ويجعلها في حالة عدم استقرار وارتفاع عن القوة الشرائية العامة».
ترتيب الأولويات ضرورة ملحة
ومع ما يحصل في هذا المجال، لا بد من إعادة النظر بصورة كلية وتقييم الواقع بموضوعية، لتحديد أولويات المرحلة وفرض حلول من شأنها تحقيق معادلة متساوية بين الأطراف كافة.
ويرى الخبير الاقتصادي التنموي الدكتور وائل الحسن أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض الدخل فقط، بل تمتد إلى ضعف أدوات إدارة الموارد داخل الأسرة، مضيفاً: «في ظل حالة التضخم، يجب على الأسرة إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث يتم التركيز أولاً على الغذاء والسكن والصحة، ثم باقي الاحتياجات».
الميزانية المرنة
وأضاف الحسن من المهم اعتماد أسلوب الميزانية المرنة، أي توزيع الدخل بشكل أسبوعي بدلاً من شهري، والابتعاد قدر الإمكان عن الشراء غير الضروري أو الاستهلاكي، مشدداً على ضرورة التوعية المالية داخل الأسرة، مثل تسجيل المصاريف اليومية ومقارنة الأسعار قبل الشراء، وغير ذلك من مفردات حساب الميزانية.
استراتيجية مقترحة للحل
وللتخفيف من حالة الضغط على إنفاق الأسرة، اقترح الحسن استراتيجية لإدارة ميزانية الأسرة، تقارب الواقع الفعلي وتحاكي الحاجات الأساسية، وتنطلق من إعداد قائمة مشتريات أسبوعية والالتزام بها، وتقليل الهدر الغذائي داخل المنزل، إلى جانب مقارنة الأسعار بين أكثر من مصدر قبل الشراء، والاعتماد على البدائل المحلية الأرخص، وتخصيص جزء صغير للطوارئ، والأهم تجنب الشراء العاطفي أو غير المخطط له.
مهارة للبقاء اليومي
بين ضغط المعيشة وتراجع الدخل، لم تعد إدارة ميزانية الأسرة مجرد عملية حسابية، بل أصبحت مهارة بقاء يومي. ومع استمرار التحديات الاقتصادية، يبقى الوعي المالي والتخطيط الذكي أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تساعد الأسر السورية على التكيف مع الواقع الاقتصادي الصعب.