تحويلات المغتربين.. رافعة للاستقرار المعيشي وقوة للتنمية الاقتصادية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

فقدت سوريا خلال السنوات الماضية خيرة خبراتها وكفاءاتها والكثير من مصادر قوتها، بسبب الهجرة إلى الأسواق الخارجية، فالكفاءات المهاجرة شكلت مع مرور الزمن قوة اقتصادية يمكن الاستفادة منها أمام تردي واقع المعيشة للأسرة السورية، وترى فيها الخبيرة التنموية الدكتورة لبنى بشارة مصدر دعم مالي كبير من خلال ما تقدمه شبكة المغتربين من تحويلات مالية إلى ذويهم داخل البلاد.

تخفيف للأعباء المعيشية

ويمكن اعتبار التحويلات المالية أيضاً أبرز مصادر الدعم الاقتصادي والاجتماعي في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، كونها أصبحت شريان حياة لآلاف الأسر، ومصدراً مهماً للعملات الأجنبية التي تسهم في تنشيط الأسواق المحلية، وتخفيف الأعباء المعيشية، وتعزيز القدرة الشرائية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه يكمن في مدى قدرة هذه التحويلات على الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية إذا ما تم توجيه جزء منها نحو الاستثمار والإنتاج.

حصة الاقتصاد كبيرة

بالمقابل، ترى بشارة أن الدور الأوضح لتأثير التحويلات المالية من الخارج على الداخل السوري من نصيب الاقتصاد الوطني، حيث تؤدي هذه التحويلات دوراً اقتصادياً متزايد الأهمية من خلال إسهامها وبصورة مباشرة في توفير العملات الأجنبية ودعم السيولة النقدية، وتنشيط الحركة التجارية والأسواق المحلية، وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والأعمال الفردية، والتخفيف من آثار التضخم على دخل الأسر. وتضيف بشارة إن التحويلات أصبحت أحد مصادر التمويل غير المباشرة للاقتصاد الوطني بكليته، خاصة في ظل تراجع بعض الموارد التقليدية، الأمر الذي يجعلها عنصراً مهماً في الحفاظ على النشاط الاقتصادي المحلي الإنتاجي والخدمي.

أثر اجتماعي ملموس

ضمن هذا الإطار، التقت «الحرية» بعض الفعاليات الاجتماعية حول الأثر الذي تتركه التحويلات المالية على الحالة الاجتماعية العامة، وعلى الأسر السورية على وجه الخصوص، حيث أكدت المربية رهام القادري أن الحوالات التي يرسلها الأبناء المغتربون إلى أسرهم تشكل مصدر دخل أساسي، فمن خلالها نؤمن احتياجات المنزل ونغطي نفقات العلاج والتعليم والصحة ومستلزمات الحياة الأساسية. كما أكد التاجر مازن درويش على جانب مهم في هذا الأثر، والذي يكمن في زيادة حركة البيع بعد وصول الحوالات، حيث يقبل الناس على شراء مستلزماتهم الأساسية، مما ينعش الحركة التجارية في الأسواق على اختلافها وتنوعها ولدى كافة حلقات الوساطة التجارية.

تمويل المبادرات الخيرية

كما تؤكد لمياء الخير، مديرة جمعية أهلية، أن مساهمات السوريين في الخارج لم تقتصر على دعم أسرهم، بل امتدت إلى تمويل مبادرات خيرية ومجتمعية، مثل ترميم المدارس، وتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم المشاريع الصغيرة للأسر الأكثر احتياجاً على كامل مساحة الوطن.

واقع لا يخلو من التحديات

وبالعودة إلى رأي الخبيرة التنموية بشارة، والتي تؤكد فيه أن قطاع التحويلات المالية ليس في حالة مثالية، رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية، والقوة المالية المؤسسة لحالة استقرار كبيرة بأبعادها المختلفة، فهو يواجه تحديات كبيرة تتمثل بالدرجة الأولى في ارتفاع رسوم التحويل في بعض القنوات، واعتماد بعض المغتربين على وسائل تحويل غير رسمية، ومحدودية توجيه التحويلات نحو الاستثمار والإنتاج، إلى جانب الحاجة إلى تطوير الخدمات المصرفية والمالية لتعزيز الثقة بالقنوات الرسمية وغيرها من مصادر التمويل المالي.

الحصة الأكبر للأسرة

لكن رغم كل ذلك، تبقى الحوالات المالية تعكس إيجابية كبيرة على واقع الأسرة السورية، وهذا يتجلى في رأي بشارة من خلال الإسهام في تأمين الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء، وتسديد تكاليف التعليم الجامعي والمدرسي، وتغطية النفقات الصحية والعلاجية، وتحسين مستوى المعيشة والحد من الفقر، ودعم استقرار الأسرة وتقليل الضغوط الاقتصادية.

تعزيز الفائدة الاقتصادية

وهنا تتساءل الخبيرة في نهاية حديثها حول كيفية تعزيز الفائدة الاقتصادية الكبيرة للحوالات المالية في ظل ظروف صعبة يعيشها الاقتصاد السوري هذه الأيام، والتي يشهد فيها حالة انتقالية نحتاج فيها كل أوجه الدعم، وطالبت بضرورة تحقيق القيمة المضافة المطلوبة، وهذه تكمن في تشجيع استثمار جزء من هذه التحويلات في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير بيئة مصرفية مستقرة ومحفزة، بما يسهم في خلق فرص عمل وتحقيق نمو اقتصادي يشكل حالة تنموية مستدامة مرتبطة بكل القطاعات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية أيضاً.

فالتحويلات المالية للمغتربين السوريين بينت أنها ليست مجرد دعم مالي للأسر، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في الاقتصاد الوطني، إذ تسهم في تعزيز الاستقرار المعيشي، وتنشيط الأسواق، وتوفير جزء من احتياجات الاقتصاد من العملات الأجنبية، ومع توفير بيئة استثمارية وتشريعية مناسبة، يمكن تحويل هذه التدفقات المالية إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق فوائد مستدامة للأسرة السورية والاقتصاد الوطني على حد سواء وتحقيق حالة تنموية إيجابيتها تطول مختلف جوانب الحياة السورية.

Leave a Comment
آخر الأخبار