صداقات المراهقين الافتراضية.. جسور للتواصل أم بوابات للعزلة والابتزاز؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عائشة عكاش:

في الوقت الحاضر، باتت الشاشات نافذة المراهق الأولى على العالم، ووشاحاً يحميه من العزلة والوحدة، فلم تعد الصداقات الافتراضية مجرد وسيلة للتسلية أو تبادل الرسائل، بل تحولت إلى جزء أساسي من الحياة اليومية لجيل نشأ في الفضاء الرقمي. وبينما تفتح هذه العلاقات آفاقاً واسعة للتعارف واكتساب الخبرات والانفتاح على ثقافات مختلفة، فإنها قد تحمل في طياتها مخاطر خفية تبدأ بالتعلق والعزلة، وقد تصل إلى الاستغلال والابتزاز الإلكتروني، ما يجعلها ساحة تجمع بين الفرص والتحديات في آن واحد.

حالات من الواقع

تروي الشابة «ر.م»، البالغة من العمر 16 عاماً، تجربتها مع إحدى الصداقات التي نشأت علاقتهما عبر الإنترنت، مبينة أنها لجأت إلى العالم الافتراضي بسبب شعورها بالوحدة وصعوبة إيجاد أصدقاء في الواقع يشاركونها اهتماماتها المختلفة.
بينما أضافت الشابة رهف الزعبي ذات الـ17 عاماً، قائلة: «كان عالم السوشيال ميديا فضاء كبيراً عابراً للحدود، فعن طريقه وبالصدفة، تعرفت على إحدى الصديقات التي كانت تشبهني في ظروفها المعيشية والنفسية، ثم بدأنا نتحدث لساعات طويلة يومياً، لكن ما بدأ كمساحة للدعم والتفهم تحول تدريجياً إلى حالة من التعلق المفرط، إذ أصبحت أمضي أكثر من خمس ساعات يومياً في الدردشة، الأمر الذي انعكس سلباً على تحصيلي الدراسي ونظام نومي».
وتضيف الزعبي: «إلا أن العلاقة تجاوزت حدود الصداقة الطبيعية عندما بدأت الصديقة الافتراضية بمحاولة فرض آرائها والتحكم بسلوكي، وعندما رفضت الخضوع لتلك الضغوط تعرضت لتهديدات بنشر محادثات ومعلومات شخصية كنت قد شاركتها معها سابقاً بطيب نية».

قبول وفسحة إيجابية

وتعقيباً على هذا الامر ترى المستشارة النفسية والتربوية مجد آلوسي المستشارة النفسية والتربوية في تصريح لـ«الحرية» أن الصداقة الافتراضية يمكن أن تكون تجربة إيجابية عندما تمنح المراهق شعوراً بالأمان والاحترام والقبول، وتساعده على التعبير عن ذاته بحرية من دون أن تدفعه إلى تجاوز حدوده الشخصية أو التخلي عن قيمه ومبادئه.
وبيّنت أن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة إلى وسيلة للسيطرة أو التلاعب النفسي، أو عندما يسعى الطرف الآخر للحصول على معلومات خاصة، أو عزل المراهق عن أسرته ومحيطه الاجتماعي.

إنذار مبكر

وأكدت المستشارة آلوسي أن التمييز بين العلاقة الصحية والعلاقة الضارة يمكن أن يتم عبر أسئلة بسيطة، منها: هل تضيف هذه الصداقة قيمة حقيقية إلى حياة المراهق أم تستنزف طاقته النفسية؟ وهل تمنحه حرية التعبير أم تجعله يعيش تحت وطأة الخوف والقلق؟ وهل تعزز ثقته بنفسه أم تضعفها؟

غرس الثقة

وترى آلوسي أن التعامل مع العالم الرقمي يجب ألا يقوم على المنع أو الرقابة المشددة بقدر ما يعتمد على المرافقة الواعية وبناء الثقة بين الأهل وأبنائهم، وتؤكد أن المراهق يحتاج إلى الشعور بأن أسرته تمثل الملاذ الآمن الذي يستطيع اللجوء إليه عند مواجهة أي مشكلة أو تهديد إلكتروني، من دون خوف من العقاب أو اللوم.

الحماية تبدأ من الحوار

وفي هذا الإطار، شددت آلوسي على أهمية فتح حوارات منتظمة حول التجارب الرقمية التي يخوضها الأبناء، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الإنترنت يتم الاتفاق عليها داخل الأسرة، إلى جانب تعليمهم أساسيات الأمن الرقمي وكيفية حماية بياناتهم الشخصية، وتعزيز الثقة التي تشجعهم على مشاركة مخاوفهم ومشكلاتهم بدلاً من اللجوء إلى الغرباء.
وحول تأثير الصداقات الافتراضية على الصحة النفسية، تشير آلوسي إلى أن هذه العلاقات قد تساعد بالفعل في التخفيف من مشاعر الوحدة، ولا سيما لدى المراهقين الذين يواجهون صعوبة في تكوين صداقات ضمن محيطهم المباشر أو يعانون من الشعور بعدم التقبل الاجتماعي.

بديل وهمي
وحذرت آلوسي من تحول الصداقة في العالم الافتراضي إلى بديل كامل عن العلاقات الواقعية، لأن ذلك قد يؤدي إلى تعميق العزلة الاجتماعية، وإضعاف المهارات التواصلية، فضلاً عن زيادة الاعتماد النفسي على أشخاص قد لا يكونون معروفين أو موثوقين بالقدر الكافي.

إشارات تستدعي الانتباه

وتلفت آلوسي إلى وجود مؤشرات مبكرة قد تكشف تعرض المراهق لمشكلات مرتبطة بالصداقات الرقمية، من أبرزها التقلبات المزاجية الحادة، واضطرابات النوم أو الشهية، وإخفاء الهاتف أو حذف المحادثات بشكل متكرر، والقلق المفرط عند تلقي الإشعارات.
كما تشمل هذه المؤشرات الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية المعتادة، وفقدان الاهتمام بالهوايات، أو تلقي طلبات مالية أو معلومات شخصية من جهات مجهولة، إضافة إلى الشعور المستمر بالخوف أو الذنب أو التعرض للتهديد.

مواجهة داعمة
وشددت آلوسي على أن اكتشاف هذه العلامات يجب أن يقود إلى الاحتواء والدعم لا إلى التحقيق والمواجهة، لأن المراهق في هذه المرحلة يحتاج إلى من يساعده على تجاوز المشكلة لا إلى من يزيد شعوره بالخوف أو العزلة.

اخيراً تبدو الصداقات الافتراضية فرصة حقيقية للمراهقين لاكتشاف ذواتهم والتواصل مع آخرين، غير أن هذه المساحة المفتوحة لا تخلو من المخاطر، فغياب المعرفة الحقيقية بالطرف الآخر قد يحول بعض العلاقات من مصدر للدعم النفسي إلى مدخل للاستغلال أو الابتزاز، فيجب تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحفاظ على الروابط الإنسانية الواقعية، فكلما امتلك المراهق وعياً رقمياً أكبر، وحظي بحوار مفتوح وثقة متبادلة داخل أسرته، أصبحت الصداقة الافتراضية جسراً للتواصل والنمو، لا بوابة للعزلة والخوف.

Leave a Comment
آخر الأخبار