الحرية ـ رانيا يوسف علي:
يُعرف مرض بطانة الرحم الهاجرة «اندوميتريوز»، بأنه حالة مرضية ينمو فيها نسيج مشابه لبطانة الرحم خارج تجويفه الطبيعي داخل جسم المرأة، ما يسبب التهابات مزمنة وآلاماً حادة وعسرة في الإنجاب، وهو من الحالات الطبية التي ما تزال أسبابها غير محسومة بشكل دقيق حتى اليوم..
وتشير التفسيرات العلمية إلى وجود عدة نظريات لآلية حدوثه، من بينها نظرية انتقال خلايا بطانة الرحم عبر الحيض الراجع من خلال قنوات فالوب إلى داخل تجويف البطن، ما يؤدي إلى توضعها في مناطق مختلفة داخل البطن.
كما تطرح نظريات أخرى احتمال انتقال الخلايا عبر الجهاز اللمفاوي أو الدم ووصولها إلى أماكن متعددة داخل الجسم، إضافة إلى فرضيات تتعلق بآليات مرضية أخرى ما تزال قيد الدراسة، دون وجود سبب واحد مثبت بشكل قاطع يفسر تطور المرض.
ويُجمع المختصون على أن العامل الوراثي قد يلعب دوراً في زيادة احتمالية الإصابة، إلا أنه ليس العامل الوحيد، إذ تتداخل معه آليات ونظريات مرضية متعددة لا تزال غير محسومة علمياً.
ويُعد «الاندوميتريوز» من الحالات التي لا تزال تفتقر إلى تفسير نهائي واضح، في ظل استمرار الأبحاث لفهم أسبابه بشكل دقيق. وفي هذا السياق، تقدم الدكتورة سوسن محفوض خلال حديثها لـ«الحرية» قراءة علمية معمقة حول طبيعة هذا المرض، وآخر ما توصلت إليه الدراسات في تفسير أسبابه وطرق التعامل معه.

أعراض المرض
وتقول الدكتورة محفوض أن من أبرز علامات أعراض «الاندوميتريوز» أولاً هو عسر الطمث الشديد، أي الألم القوي أثناء الدورة الشهرية، والذي يُعد من أبرز المؤشرات المرتبطة بالمرض، وفي الوقت نفسه، لا يعني وجود هذه الآلام بالضرورة الإصابة ببطانة الرحم الهاجرة، إذ إن هذا العرض شائع لدى عدد من النساء ويحتاج إلى تقييم طبي دقيق لتحديد أسبابه.
وتشمل الأعراض المحتملة للمرض، بحسب توزع البؤر في الجسم، ألماً شديداً أثناء الطمث، إضافة إلى ألم أثناء الجماع بعد الزواج، خاصة في حال تواجد البؤر في مناطق معينة داخل الحوض، إلى جانب تبقيع أو نزف بين الدورات الشهرية، وهو ما قد يسبب شعوراً باضطراب مستمر في الدورة، وتختلف الأعراض تختلف من امرأة إلى أخرى بحسب أماكن انتشار بؤر بطانة الرحم الهاجرة داخل الجسم، ما يجعل الصورة السريرية للمرض متباينة بين الحالات، مشيرة إلى أن، مختصون يؤكدون بأن هناك تشابه لهذه الأعراض مع أمراض أخرى مما يجعل من الضروري الاعتماد على التشخيص الطبي الدقيق لتأكيد الإصابة ووضع العلاج المناسب.
التشخيص القطعي
وحول تشخيص الإصابة ببطانة الرحم الهاجرة تقول د. محفوض أن تشخيص مرض بطانة الرحم المهاجرة لا يعتمد على فحص طبي محدد، بل يتم عبر مؤشرات سريرية تختلف في حدتها من حالة إلى أخرى.
وبينت د. محفوض أن العلاقة بين المرض والإنجاب ليست حتمية، إذ قد تحمل بعض المصابات رغم الإصابة، بينما تعاني أخريات من العقم دون تفسير واضح، مؤكدة أن التشخيص القطعي لا يتم إلا عبر الفحص المرضي لعينات الأنسجة المأخوذة أثناء تنظير البطن، وهو الإجراء الوحيد الذي يؤكد وجود المرض بدقة.
لا يهدد الحياة
ورغم أن هذا المرض لا يُصنف ضمن الحالات التي تهدد الحياة، إلا أن مضاعفاته قد تكون مؤثرة بشدة على جودة الحياة اليومية للمصابة، كما توضح الدكتورة سوسن محفوض في حديثها أن مرض بطانة الرحم المهاجرة «الاندوميتريوز» لا يشكل خطراً مباشراً على حياة المريضة.
وأوضحت أن بعض الحالات قد تتطور لتشكل أكياساً اندوميتريوزية، وهي أكياس مملوءة بالدم القديم قد تكبر إلى أحجام كبيرة، مما يستدعي في كثير من الأحيان اللجوء إلى التدخل الجراحي لإزالتها، مشيرة إلى أن التشخيص يعتمد على العلامات الإكلينيكية والتصويرية التي تساعد في التمييز بين الكيسة «الاندوميتريوزية» وغيرها من الأكياس المبيضية.
وبيّنت محفوض أن الحالة الأكثر تعقيداً هي «الادينيوميوز»، الذي يحدث عندما تهاجر البطانة إلى داخل عضلة الرحم، وتزداد خطورته خاصة في الأعمار المتقدمة «45 عاماً فما فوق»، حيث يترافق مع نزيف رحمي غزير، مما قد يستدعي في بعض الحالات استئصال الرحم كحل جراحي نهائي، مطمئنةً أن المرض لا يهدد الحياة بأي شكل من الأشكال، وأن التدخلات الجراحية تهدف إلى تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة، وليس لإنقاذ الحياة ذاتها.
التأثير الإنجابي
كذلك أوضحت د. محفوض أن العلاقة بين بطانة الرحم المهاجرة والخصوبة ليست طردية، مشيرة إلى أن شدة الآفات المرضية لا تتناسب بالضرورة مع تأثيرها على الإنجاب، ففي بعض الحالات تكون الآفات بسيطة جداً ومع ذلك تعاني المريضة من تأخر الحمل أو العقم، بينما قد تكون الآفات شديدة ومعقدة ومسببة التصاقات هائلة تصل إلى حد ما يُعرف طبياً بـ«الحوض المتجمد»، ورغم ذلك قد يحدث حمل بشكل طبيعي.
وأضافت إن فرص نجاح أطفال الأنابيب في حالات «الاندوميتريوز» تكون أقل مقارنة بالنساء غير المصابات، لكن ذلك لا يعني استحالة الحمل، مؤكدة أن الحمل يظل ممكناً ووارداً في العديد من الحالات، خاصة مع التدخل العلاجي المناسب والمبكر في حال تأخر الإنجاب.
وبيّنت د. محفوض على أن علاج تأخر الحمل المرتبط بـ«الاندوميتريوز» هو أحد الخيارات المتاحة والضرورية التي يجب وضعها في الاعتبار، لأن المريضة التي تعاني من تأخر الحمل بسبب هذا المرض هي بحاجة فعلية إلى تدخل علاجي يهدف إلى تحسين فرصها الإنجابية، وليس إلى انتظار حدوث الحمل بشكل تلقائي قد لا يأتي.
العلاج الجراحي
أوضحت الدكتورة محفوض أن العلاج الأساسي يعتمد على التدخل الجراحي عبر تنظير البطن، حيث يتم كي الآفات المنتشرة في مناطق مختلفة من الحوض والبطن، مشيرة إلى أن هذه البقع تنزف مع كل دورة شهرية، وهنا يكون الحل الأساسي هو وقف التأثير الهرموني بعد إجراء الكي لهذه الافات واللجوء إلى العلاج الدوائي بهدف إيقاف الدورة الشهرية مؤقتاً حسب شدة الآفة 3 لـ 6 أشهر، لمنع إعادة نمو الآفات مرة أخرى، والحد من نشاطها.
الوقاية محدودة
وختمت الدكتورة محفوض حديثها بالإشارة إلى أن الوقاية من هذا المرض تبقى محدودة في معظم الحالات، لكنها شددت على أن هناك عاملين يمكن تجنبهما للتقليل من خطر الإصابة، وهما، انسداد غشاء البكارة يؤدي إلى احتباس دم الطمث داخل الرحم، ما يسبب ارتجاع الدم إلى البطن، وبالتالي وصول خلايا بطانة الرحم إلى مناطق خارج الرحم، وهو ما يُعد أحد الأسباب القابلة للتجنب.
كما لفتت إلى أن العمليات القيصرية قد تؤدي إلى انتقال خلايا بطانة الرحم إلى جدار البطن أثناء الخياطة، إذا لم تكن الإجراءات الجراحية دقيقة، مما قد يسبب نمو هذه الخلايا في مناطق غير طبيعية، مشيرة إلى أن هاتين الحالتين هما الاستثناء الوحيد الذي يمكن من خلاله الوقاية من المرض، عبر تجنب الأخطاء الجراحية ومعالجة انسداد غشاء البكارة مبكراً.