لماذا أصبح الشباب أكثر عرضة للذهان؟.. وهل يدفع جيل الشاشات ثمناً باهظاً لعقولهم؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – رانيا يوسف علي:

في اخبار تبعث على القلق، تتزايد الأصوات العلمية المحذّرة من موجة صامتة تضرب عقول الشباب، حيث تشير دراسات علمية حديثة إلى أن المولودين بعد عام 2000 أكثر عرضة للإصابة باضطرابات الذهان مقارنة بالأجيال السابقة، مع انخفاض ملحوظ في سن التشخيص ليصل إلى عشرين عاماً.
فما الذي يحدث لعقول الجيل الجديد؟

الذهان.. حين يفقد العقل اتصاله بالواقع

قبل الغوص في الأسباب، لابد من تعريف الذهان الذي تتحدث عنه هذه الدراسات، فهو ليس مجرد تقلب مزاجي أو نوبة غضب عصبية عابرة، بل هو حالة عقلية خطيرة تتسبب بفقدان الاتصال بالواقع، وتشمل الهلاوس «رؤية أو سماع أشياء غير موجودة» والأوهام «اعتقادات خاطئة لا تتزعزع», وهذه الحالة ليست نادرة كما قد يظن البعض، بل هي جزء من طيف واسع من المشكلات العقلية التي يعاني منها الشباب.

جيل الشاشات والضغوط.. العوامل المتهمة

تشير الأبحاث العلمية التي أجريت بهذه الخصوص إلى أن زيادة حالات الذهان بين الشباب لا تعود لسبب واحد فقط، بل لتداخل عوامل بيئية واجتماعية ونفسية متعددة، وهنا تكمن المفارقة، فالجيل الذي ولد في عصر التكنولوجيا والاتصال السريع، أصبح أكثر عزلة واضطراباً في نفس الوقت.

وبهذا الخصوص أظهرت دراسة كندية ضخمة، أجريت على أكثر من 11 ألف شاب ضمن مشروع «ABCD» لدراسة تطور الدماغ، أن العوامل الاجتماعية تلعب دوراً محورياً في ظهور «التجارب الشبيهة بالذهان» (PLEs)، والتي تعتبر حسب الدراسة المذكورة مؤشراً مبكراً على مشكلات نفسية مستقبلية، فالتعرض للصدمات، والتمييز، والنزاعات الأسرية، كلها عوامل تزيد احتمالية ظهور هذه التجارب بنسب تصل إلى 49% في حال التمييز، و7% في حال النزاع العائلي.

وهنا أيضا تأتي الدراسة الأوروبية متعددة الجنسيات «EU-GEI» التي تعمقت في العلاقة بين بيئة الطفولة والذهان، حيث أكدت أن الشدائد في الطفولة، خاصة تلك التي تتسم بالعداء والتهديد والعنف، ترتبط بقوة بزيادة خطر الإصابة بالذهان لاحقاً، وأن تأثير هذه الشدائد يختلف بين الذكور والإناث.

البيئة المحيطة.. ليست مجرد هواء نتنفسه

كذلك لا تقتصر المخاطر على ما يحدث داخل المنزل، فالمكان الذي يعيش فيه الشاب يؤثر أيضاً على صحته العقلية، إذ كشفت دراسة نشرت في مجلة «Child and Adolescent Mental Health» أن هناك علاقة بين الكثافة السكانية «أي العيش في مدن مكتظة» وزيادة أعراض الذهان لدى الشباب، لكن الباحثين يحذرون من تبسيط الأمر إلى معادلة «مدينة سيئة، ريف جيد».
فالدراسات تشير إلى أن العامل الحاسم ليس المدينة في حد ذاتها، بل هو غياب الانتماء الاجتماعي والشعور بالإقصاء الذي قد يحدث في أي بيئة، سواء كانت مدينة مزدحمة أو قرية منعزلة .

الشاشات.. سلاح ذو حدين

لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات في حياة الشباب، فرغم فوائدها، يشير الباحثون إلى أن الإفراط في استخدامها قد يزيد القلق والتوتر ويؤدي لاضطراب النوم، وهي عوامل ترفع احتمالية ظهور أعراض الذهان لدى الفئات المهيأة لذلك.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن التعرض المفرط للشاشات يؤثر على تطور المادة الرمادية في الدماغ، خصوصاً في المناطق المسؤولة عن المعالجة العاطفية والانتباه واتخاذ القرار، ما يجعل الشباب أكثر هشاشة أمام الضغوط النفسية.
كما أن التصفح المستمر لوسائل التواصل يعزز ثقافة المقارنة الاجتماعية التي ترفع معدلات القلق والاكتئاب، خاصة لدى المراهقين الذين يقضون أكثر من أربع ساعات يومياً على هذه المنصات.
هذا الاستخدام المفرط لا يستهلك وقتهم فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة تفكيرهم وإدراكهم للعالم من حولهم، ويؤثر على قدرتهم على التمييز بين الواقعي والافتراضي، مما يزيد من احتمالية تطوير أعراض ذهانية لدى الفئات الأكثر عرضة.
كما أن العالم الرقمي، رغم كونه «غير مكاني»، تقول الدراسة، يمكن أن يكون مصدراً للإجهاد الاجتماعي والتنمر، مما يضيف طبقة أخرى من المخاطر .

لماذا التركيز على الجيل الجديد تحديداً؟

يكمن الجواب في لحظة زمنية فريدة يعيشها هذا الجيل، حيث تتداخل عدة عوامل خطيرة لأول مرة بهذا الشكل: ارتفاع معدلات تعاطي القنب وهو« هي الاسم العلمي لنبتة الماريجوانا أو الحشيش، وهذه المادة تُستخدم لأغراض طبية»، لكن مع الأسف بعض الشباب يتعاطاها، كذلك تفاقم مشكلة تلوث الهواء، وارتفاع متوسط عمر الآباء عند الإنجاب «وهو عامل مرتبط بزيادة المخاطر الجينية»، بالإضافة إلى التعرض المكثف وغير المسبوق للشاشات.

نحو استراتيجية حماية

هذه النتائج ليست مجرد أرقام في دراسة، بل هي إنذار يستدعي التحرك، الإشارة الأكثر تفاؤلاً في هذه الأبحاث هي أنها تفتح الباب أمام التدخل المبكر، فمعرفة العوامل التي تزيد الخطر تمكننا من تصميم برامج وقائية، بدءاً من الدعم النفسي في المدارس، إلى برامج التوعية الأسرية، وصولاً إلى سياسات عامة تحد من المخاطر البيئية والاجتماعية المحيطة بالشباب.
العلم يقول لنا بوضوح هنا: «مستقبل أدمغة الشباب ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج لبيئتنا ومجتمعنا»، وهذا يعني أن لدينا القدرة، وربما الواجب، لتغييره نحو الأفضل.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار