«ذاكرة الفن التشكيلي في سوريا».. طاهر البني يوثق الحركة الفنية في ثلاثة أجزاء على امتداد القرن العشرين

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

يكاد عمر الحركة الفنية التشكيلية في سوريا بمعناها المعاصر أن يصل إلى مئة سنة، أو قد تزيد قليلاً، غير أن الفن السوري يتجاوز ذلك بأكثر من سبعة آلاف من السنين المغرقة في قدمها، يوم كانت سوريا العتيقة، لاسيما في مرحلتها الهلنستية، قبلة العالم القديم في الحضارة والثقافة. يومها كان الكثير من الفنون تُبهر العالم، ولعل ما بقي منها حتى اليوم من تماثيل وعمارة كافٍ لأن يُدهش كل من يراه.

محنة التشكيل

رغم كل هذه القدامة في الفن التشكيلي السوري، فإن محنة التشكيل في سوريا كانت دائماً في من يتصدى لتقديمه والحديث عنه، ومن ثم كانت الحركة النقدية السورية متأخرة بخطوات بعيدة عن الصياغات الفنية الجديدة وتطور الحركة التشكيلية بشكل عام، ففي كل مرحلة لم يتعدَّ عدد المشتغلين بمواكبة وقراءة الحركة التشكيلية السورية عدد أصابع اليد الواحدة.
وفي هذا المجال نذكر الناقد طاهر البني، الذي حاول تسجيل «ذاكرة الفن التشكيلي في سوريا» في كتاب حمل نفس الاسم، صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، حاول من خلاله توثيق الحركة الفنية السورية نقداً وببليوغرافيا، ومعرفاً بالكثير من أقطابها ومراحلها، وذلك في ثلاثة أجزاء.

في البداية

في الجزء الأول من هذا الكتاب، الذي يقترب من كونه «أنطولوجيا»، حاول البني أن يذهب بعيداً في العمق السوري ليصل إلى العصر الحجري (8000-2900 ق.م)، وصولاً إلى المرحلة العثمانية (1516-1918م)، ومروراً بالعصور الآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.
فنون تنوعت بين الدمى الطينية، والنقش على الآنية الفخارية والأختام، وبين التصوير الجداري والنحت النصبي، إضافة إلى اللوحات المرصعة والحجرية والتماثيل الفخارية، ليأتي بعد ذلك فن الفسيفساء، وفي العصور الدينية ظهر الرقش «الأرابسك» وزخرفة الأواني، والفن الأيقوني، والتصوير الشعبي، والحروفية، تلك كانت أهم شواغل الفنون التشكيلية القديمة التي لا تزال راسخة في الأرض السورية وموزعة بين تدمر وقطنا وإيبلا وأوغاريت وعمريت، إضافة إلى وجودها في الكثير من المدن السورية القديمة، حتى يكاد أن يكون القسم القديم من المدينة السورية يشكل بمجمله حالة فنية صرفة، ومن هنا نُفسر هذا الهاجس لدى الفنانين التشكيليين بالمدن السورية القديمة كمعلولا وطرطوس ودمشق والشغل عليها في نتاجاتهم الفنية.

الإرهاصات الأولى

تلك الفنون العتيقة هي من شكلت الإرهاصات الأولى للحركة التشكيلية السورية على مدى قرن من السنين، أخذت تقريباً كامل عقود القرن العشرين، ولا ينكر أحد أن في بعض جوانبها، لاسيما في مرحلتها الأولى، كانت قد تأثرت برياح الثقافة الغربية حيث أيقظتها بعد «إغفاءة» استمرت لأربعة عشر قرناً منذ ظهور الدعوة إلى نبذ التصوير وتحريمه، وعلى ما يرى البني، إنه إذا كانت النهضة الفنية السورية قد تأثرت إلى حد كبير بمفهوم الفن الأوروبي واتجاهاته في خطوتها الأولى، فإنها ما لبثت أن توجهت إلى مفاهيم جديدة لم يعد النموذج الأوروبي هو المحتذى، إذ سرعان ما أثار الموروث الفني للحضارات السورية القديمة مفاهيم جديدة للفن، اتخذت لها أشكالاً مبتكرة في النتاج التصويري والنحتي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ثلاث مراحل

وبجهود تبدو مضنية استطاع البني، إلى حد كبير، أن يميز بين ثلاث مراحل على امتداد القرن العشرين، هي من شكلت الحركة التشكيلية السورية وأعطتها ملامحها الخاصة:
المرحلة الأولى:  وهي المرحلة التي نشأ فيها الاهتمام بالمذاهب الفنية الغربية، كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والانطباعية، وتحتل هذه المرحلة النصف الأول من القرن العشرين.
المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي أخذ فيها الفنانون يسعون للتحرر من أسر الاتجاهات الفنية الغربية التقليدية، ويتطلعون إلى الصيغ المستحدثة كالتعبيرية والتكعيبية والسريالية والتجريدية، بالإضافة إلى الصيغ التي تستلهم التراث الفني المحلي، وتمتد هذه المرحلة من مطلع الخمسينات وحتى مطلع السبعينات.
المرحلة الثالثة:  وهي المرحلة التي نضجت فيها بعض التجارب السابقة، ونشأت فيها اتجاهات جديدة تمتلك خصوصيتها، وتشترك مع التجارب المعاصرة لها في حداثة لغتها وتطور أدواتها، وتشمل هذه المرحلة الربع الأخير من القرن العشرين.

عن المرحلة الأولى

في المرحلة الأولى يُحصي الناقد البني ثمانية وعشرين فناناً تشكيلياً، ذكر منهم امرأة واحدة هي منور موره لي، التي ولدت سنة 1912 في إسطنبول، وأقامت في سوريا، ومارست شغلها الفني كهاوية حيث تدربت على أيدي فنانين عرب وأجانب كانوا يقيمون في سوريا، وقدمت الكثير من اللوحات المائية والزيتية بأسلوب انطباعي، مستمدة مواضيعها من البيئة المحلية.

ولا أدري كيف سها عن فنانة لا تقل أهمية عنها، وهي إقبال ناجي قارصلي، مواليد سنة 1925، التي ولدت في دمشق، وعاشت طفولتها متنقلة بين دمر والزبداني ودوما ودمشق، ورغم زواجها المبكر بعمر 15 سنة، انشغلت بدراسة الفنون الجميلة بطرق مختلفة، ومن ثم دأبت على إقامة المعارض التشكيلية، وكانت لوحاتها تمتاز بضحكة الألوان الربيعية المتأثرة بالانطباعية التي درجت حينها لفترة من الزمن.

عن المرحلة الثانية

أما المرحلة الثانية فتمتد من مطالع الخمسينيات وحتى مطالع السبعينيات من القرن الماضي، وقد أحصى خلالها ما يقارب اثنين وسبعين فناناً تشكيلياً، ولم يتحدث سوى عن امرأة واحدة أيضاً من بين هؤلاء الفنانين الرجال، وهي الفنانة لميس ضاشوالي، المولودة في مدينة حلب سنة 1935، حيث درست الفن في دمشق، واهتمت في لوحاتها بالطبيعة والمرأة، بأسلوب ذهب بها صوب الرومانسية المتشحة بالشاعرية، حيث شاركت بالمعارض الجماعية لوزارة الثقافة إلى جوار عشرات الفنانين الذين كانوا رواد هذه المرحلة.

عن المرحلة الثالثة

فيما أحصى خلال المرحلة الثالثة ما يقارب مئتي فنان تشكيلي من رواد هذه المرحلة، وقد وصل عدد الفنانات فيها إلى حوالي ست عشرة فنانة، وكانت الفنانة ليلى نصير من أولى الحاضرات في العمل التشكيلي، إذا ما استثنينا الفنانة شلبية إبراهيم المصرية التي تزوجت الفنان السوري نذير نبعة، فإن نصير هي أولى رائدات هذه المرحلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار