الحرية – نورما الشيباني:
يبدأ الطريق بالصعود بين غابات الدريكيش الوارفة، ويزداد الهواء نقاءً كلما ارتفع الزائر نحو القمة، ليدرك أنه لا يتجه إلى موقع أثري فحسب، بل إلى مكان تختلط فيه ذاكرة التاريخ بسحر الطبيعة، هناك، فوق قمة جبل صخري مخروطي الشكل، تقف قلعة الشيخ ديب، أو كما يسميها أهالي المنطقة «القليعة»، شامخةً منذ قرون، تراقب الوديان والجبال بصمتٍ يختزن حكايات لم تكتبها الكتب، لكنها بقيت محفورة في الحجر.
من أعلى القلعة، تبدو الطبيعة وكأنها لوحة مرسومة بعناية: غابات كثيفة، ووديان تتلوى بين الجبال، وقرى متناثرة على السفوح، وآفاق مفتوحة تمتد إلى مسافات بعيدة، ولهذا لا يزور الناس قلعة الشيخ ديب بحثاً عن التاريخ وحده، بل ليجمعوا في رحلة واحدة متعة السياحة الأثرية وروعة السياحة البيئية، في أحد أجمل المواقع الطبيعية في محافظة طرطوس.
موقع صنعته الطبيعة واستثمره الإنسان
يوضح الدكتور نزار يونس، خبير الإرشاد التاريخي في المديرية العامة للآثار والمتاحف، أن القلعة تقوم على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، على جبل صخري مخروطي يُعتقد أنه بقايا جبل بركاني صغير، وتتربع بين جبل النبي متى وجبل النبي صالح، لتشرف على مدخل الوادي الغربي، وهو ما منحها أهمية استراتيجية استثنائية.
وتقع القلعة إلى الشمال الغربي من مدينة الدريكيش بنحو 26 كيلومتراً، وإلى الغرب من مدينة طرطوس بحوالي 65 كيلومتراً، كما تبعد نحو خمسة كيلومترات عن حصن سليمان، لتشكل مع المواقع الدفاعية المحيطة منظومة مراقبة متقدمة اعتمدت على المرتفعات الطبيعية.
ولعل من يقف اليوم في هذا الموقع المرتفع يستطيع أن يفهم بسهولة سبب اختياره؛ فالرؤية الواسعة التي توفرها القمة كانت تمكّن من مراقبة الطرق والوديان المحيطة، فيما تمنح الزائر اليوم إطلالة بانورامية تخطف الأنفاس.
«القليعة».. اسم يحمل ذاكرة المكان
ويرى يونس أن تسمية «قلعة الشيخ ديب» جاءت نسبة إلى مقام الشيخ الكائن عند أسفل الجبل، بينما يعرفها السكان باسم «القليعة»، وهو تصغير لكلمة «قلعة». ويُرجح أن الموقع كان يؤدي دوراً دفاعياً مهماً، حيث استخدم للمراقبة وإرسال الإشارات والمراسلات بين القلاع المجاورة، مستفيداً من موقعه المرتفع الذي يتيح رؤية مساحات واسعة من المنطقة. ورغم ذلك، فإن المصادر التاريخية لم تذكر القلعة، وربما كانت معروفة في العصور الماضية باسم آخر لم يصل إلينا.
حين تنطق الحجارة بما غاب عن الكتب
غياب القلعة عن المصادر المكتوبة لم يمنع الباحثين من تتبع تاريخها، بل جعلهم يعتمدون على الشواهد الأثرية المنتشرة في الموقع، كما يبيّن يونس أن وعورة المكان حالت حتى اليوم دون إجراء حفريات أثرية أو سبر أثري منهجي، لذلك استندت الدراسات إلى ما بقي ظاهراً من معالم الموقع، وفي مقدمتها القناة الفخارية الموجودة في أعلى القلعة، إلى جانب الكسر الفخارية والزجاجية الكثيرة المنتشرة في أنحاء المكان.
وتشير هذه اللقى الأثرية إلى أن الموقع يعود إلى المرحلة البيزنطية المتأخرة، مع استمرار استخدامه خلال العهود الإسلامية، وهو ما يجعل القلعة شاهداً على تعاقب حضارات متعددة فوق هذه القمة الجبلية.
رحلة إلى القمة ورحلة في الجمال
يمكن الوصول إلى القلعة عبر عدة طرق، منها طريق طرطوس – الدريكيش – دوير رسلان – حيلاتا – القلعة، وطريق الدريكيش – بجنة – بيت الخدام – القلعة، وطريق صافيتا – عامودي – النشير – كفر جوايا – القلعة. ورغم أن الطريق يتطلب شيئاً من الجهد، فإن كل خطوة تقود الزائر إلى مشاهد طبيعية أكثر جمالاً. وما إن يصل إلى القمة حتى يجد نفسه أمام مشهد بانورامي يجمع بين زرقة السماء وخضرة الغابات وامتداد الجبال، في تجربة تجعل من زيارة القلعة رحلة في التاريخ والطبيعة معاً.
وجهة سياحية تنتظر مزيداً من الاهتمام
تمتلك قلعة الشيخ ديب جميع المقومات التي تؤهلها لتكون محطة بارزة على خريطة السياحة الثقافية والبيئية في سورية. فهي ليست مجرد موقع أثري، بل فضاء طبيعي يأسر الزائر بجماله، ويمنحه فرصة للتعرف إلى تاريخ المنطقة، والاستمتاع في الوقت نفسه بأحد أجمل المشاهد الطبيعية في ريف طرطوس. وإن تطوير الخدمات المؤدية إلى القلعة، والتعريف بها ضمن البرامج السياحية، وتشجيع الدراسات الأثرية المتخصصة، من شأنه أن يحول هذا الموقع إلى مقصد يجذب الباحثين والمهتمين بالتراث، ومحبي الطبيعة، والمصورين، وهواة المشي الجبلي.
ذاكرة المكان ومستقبل السياحة
تبقى قلعة الشيخ ديب شاهداً على قدرة الإنسان القديم على اختيار المكان الذي يجمع بين الحماية والجمال. فهنا لم تُشيد القلعة على قمة جبل صدفة، بل في موقع يمنحها السيطرة على الطرق، ويحيطها في الوقت نفسه بطبيعة آسرة ما زالت تحتفظ بعذريتها. ورغم صمت المصادر التاريخية، فإن حجارة القلعة ما زالت تروي قصتها، وتنتظر من ينصت إليها بعين الباحث، ومن يكتشفها بقلب السائح.
وفي هذا المكان، يلتقي عبق الحضارة بجمال الطبيعة، لتصبح قلعة الشيخ ديب أكثر من أثر تاريخي؛ إنها وجهة تستحق أن تُزار، وأن تُعرّف، وأن تُصان للأجيال القادمة.