الحرية– دينا عبد:
تمثل حالات الوفاة داخل الأسرة ضغطاً كبيراً على كاهلها، بخاصة ميزانيتها المالية، نظراً إلى استمرار أغلب الأسر بطقوس وعادات مراسم العزاء المتضمنة نصب خيم وطبخ الطعام وتوزيعه بكميات كبيرة على مدى يومين، قد تصل تكاليفها في بعض الأحيان إلى أكثر من 6 إلى 7 ملايين ليرة سورية، فضلاً عن مراسم الدفن للمتوفى، ما يزيد على كاهل أهل المتوفى أعباء إضافية لا تخطر على البال.
وبين مؤيد يرى أن الغاية الأساسية من العزاء هي مواساة أهل المتوفى وتخفيف مصابهم بعيداً عن الأعباء المالية والاجتماعية، وآخر يتمسك ببيوت العزاء باعتبارها جزءاً من منظومة التكافل الاجتماعي، برزت تساؤلات عن كيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على القيم الإنسانية والتخفيف من الأعباء التي تتحملها الأسر المفجوعة.
تخفيف الأعباء لا إضافة أعباء
مراسلة «الحرية» سألت عينة من الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكان لكل رأيه.
يقول جمال «موظف» إن على المجتمع مساندة أهل المتوفى والتخفيف عنهم، لا تحميلهم أعباء إضافية، ويرى أن من العادات الاجتماعية التي اعتدنا عليها إعداد الطعام لأسرة الفقيد في اليومين الأولين لمساعدتهم على تجاوز ظروفهم الصعبة، بدلاً من تكليفهم باستقبال الضيوف وتقديم الضيافة، مؤكداً أن العزاء للمواساة وتعزيز قيم التكافل والتراحم.
خيار شخصي
أما محمد «مدرس» فيرى أن اختصار مراسم العزاء يبقى خياراً شخصياً يعود إلى أهل المتوفى، فمن شاء إقامة مجلس عزاء فله ذلك، ومن فضل استقبال المعزين في منزله فله ذلك أيضاً، ويشير إلى أنه سبق أن خاض هذه التجربة، ولم يؤثر ذلك في أداء واجب المواساة أو تقديم التعزية.
أما أم أنس فاعتبرت أن اختصار مراسم العزاء ربما يضعف العلاقات الاجتماعية ويقلل من التواصل المباشر بين الناس، بما ينعكس سلباً على الترابط.
ويؤكد شكري (صاحب محل) أن العزاء يجب أن يبقى مناسبة للمواساة والتكافل بعيداً عن التكلف، وأن يكون الإنفاق فيه ضمن حدود الاستطاعة من دون تحميل الأسر أعباء تفوق قدرتها، مضيفاً أن مناسبات الحزن تكشف الأشخاص الأقرب إلى أهل الفقيد، كما تسهم مجالس العزاء في الحفاظ على التواصل الاجتماعي وتعزيز العلاقات الإنسانية، وهو ما يجعلها تؤدي دوراً اجتماعياً مهماً إلى جانب دورها في المواساة.
الدعم النفسي أثناء الوفاة
وبرأي الاستشارية الأسرية صبا حميشة، فإن الدعم النفسي والاجتماعي يعد أحد الركائز الأساسية، ليس فقط في أوقات الأزمات والوفاة، وإنما حتى عند مواجهة ضغوط الحياة اليومية، كالفشل أو المشكلات المالية أو غيرها، لذلك، فإن الحاجة إلى هذا الدعم تصبح أكثر إلحاحاً عند فقدان شخص عزيز، إذ يعد الموت من أشد الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها الإنسان، وفق تصنيفات علم النفس.
وتشير إلى أن دعوات المطالبة بتخفيف إجراءات ومراسم العزاء لا تستهدف إلغاء قيمة المواساة، وإنما تهدف إلى تقليل الأعباء المالية التي تتحملها أسرة المتوفى، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فإطالة ساعات وأيام استقبال المعزين قد تتحول إلى عبء إضافي على أهل الفقيد، في وقت هم بأمس الحاجة إلى الراحة والدعم الحقيقي.
فالمطلوب، بحسب الاستشارية، ليس الاستغناء عن بيوت العزاء، وإنما إعادة توجيه دورها وهي تقديم المواساة والدعم النفسي والاجتماعي لأسرة المتوفى، بعيداً عن المظاهر والالتزامات التي قد تثقل كاهلهم، فمجالس العزاء وجدت للتخفيف عن أهل المتوفى ومساندتهم، لا لإضافة أعباء جديدة عليهم، ودعت إلى ترسيخ ثقافة تجعل من العزاء مساحة للدعم النفسي والاجتماعي الحقيقي، بما يحقق الغاية الإنسانية التي شُرعت من أجلها المواساة.
تغير العلاقات والضغوط الاقتصادية
بدورها، بيّنت المرشدة الاجتماعية فرح حلاوة أن ارتفاع التكاليف وضغط العمل، كلها عوامل جعلت البعض يشعر بأن مراسم العزاء الطويلة قد تتحول أحياناً إلى عبء مادي ونفسي يضاف إلى ألم الفقد. وفيما يتعلق بالدعوة إلى اختصار مراسم العزاء، تعتقد حلاوة أن ذلك مرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية التي دفعت كثيراً من الأسر إلى اتباع عادات أكثر بساطة وأقل تكلفة.
كما اعتبرت المرشدة أن تغير طبيعة العلاقات الاجتماعية، وانتشار وسائل التواصل والاتصال الحديثة، أتاحا للأفراد تقديم المواساة بوسائل متعددة، ولم يعد الحضور الطويل شرطاً وحيداً للتعبير عن التعاطف، مشيرة إلى أن ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية مراعاة ظروف أهل المتوفى أسهم أيضاً في إعادة التأكيد على أن جوهر العزاء يكمن في المواساة، لا في المظاهر.
وفي المقابل، هناك شريحة واسعة من المجتمع ما تزال تتمسك بالعادات الموروثة باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية والإرث الاجتماعي، فكثيرون يعتقدون أن تقليص مراسم العزاء يؤدي إلى إضعاف الروابط بين أفراد المجتمع، ولا سيما في البيئات التي تشكل فيها العلاقات الأسرية ركناً أساسياً من التماسك الاجتماعي.