الحرية- علي الراعي:
في قراءة التجربة الإبداعية للفنان التشكيلي نذير إسماعيل (1948-2016)، يمكن للمتابع أن يجد الكثير من الملامح التي ميزت أسلوبه الفني، والتي جعلت منه خصوصية له وحده، رغم أن الموضوع الذي شغله طول الوقت كان شاغلاً هو الآخر لطائفة لا يُستهان بعددها في المشهد التشكيلي السوري، وأقصد موضوعة «الوجه».
وفي شغله على «الوجه»، يمكن أن نسجل هنا أبرز ملامح هذه الخصوصية، وإلى حد بعيد يمكن اعتبار مشروع إسماعيل يقوم على ثلاثية رمزية: الوجه – الإنسان، الطائر – الوعي أو الشاهد، واللون الترابي – المكان والذاكرة، وأظن أن هذه الثلاثية تربط بين جميع العناصر التي تتكرر في أعماله، وتفسرها ضمن رؤية واحدة.

أبعد من البورتريه
هنا لا تبدو الوجوه مجرد بورتريهات، ولا يحضر الطائر بوصفه عنصراً زخرفياً، فكل لوحة هي مسرح وجودي تتجاور فيه الكائنات البشرية مع طائر صغير يراقبها بصمت، بينما تتكدس الوجوه حتى تكاد تختنق، وقد مُحي فمها أو اختفى تماماً. هذا العالم البصري لم يكن مصادفة أسلوبية، بل أصبح اللغة الخاصة التي عُرف بها الفنان طوال أكثر من أربعة عقود، حيث مزج التعبيرية بالتجريد والرمزية، مستلهماً النحت السوري القديم والفن الشعبي وكذلك فن الإيقونة ليصوغ خطاباً إنسانياً عن القلق والخسارة والعزلة.
هنا ثمة لوحة تتزاحم فيها عشرات الرؤوس داخل مساحة زرقاء كثيفة، وكأنها مدينة كاملة اختزلت في وجوه، هنا لا أحد يصرخ، لا أحد يتكلم، الجميع ينظر إلينا بعيون واسعة، لكن الأفواه غائبة، وفي أخرى يحضر طائر أبيض فوق الرؤوس، بينما تتكرر الوجوه بأحجام مختلفة، بعضها مقلوب وبعضها مائل، وكأن الإنسان فقد توازنه الداخلي.
كشف الخبايا
أول ما يلفت النظر في هذه اللوحات، أن نذير إسماعيل لا يرسم أفراداً يمكن التعرف إليهم، فالوجوه متشابهة، بيضوية أو مستطيلة، والأنوف عبارة عن خط عمودي يقسم الوجه نصفين، أما العينان فتبدوان نصف مغمضتين، كما لو أنهما تنظران إلى الداخل أكثر مما تنظران إلى العالم، وهذا الاختزال يحوّل الإنسان من شخص إلى رمز، إنها وجوه فقدت أسماءها، وصارت تُمثل الإنسان في حالته المجردة: الإنسان الخائف، المنتظر، المهزوم، أو الصامت. حتى تبدو أحياناً وكأنها «أقنعة» أو شواهد حجرية، وأن عملية محو التفاصيل تعكس محواً تدريجياً للفرد داخل المجتمع.
وهنا أيضاً من الصعوبة بمكان عد الوجوه بسهولة، وذلك أنها تأتي كتلة بشرية واحدة، أشبه بجمهور مجهول أو قافلة من الأرواح. هذا التراكم ليس ازدحاماً تشكيلياً فقط، بل هو ازدحام وجودي؛ فكل وجه يحمل الوحدة نفسها رغم أنه محاط بالعشرات.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الوجوه هو غياب الفم، فهو لا يرسمه إلا نادراً، وإذا ظهر فإنه يختفي داخل ضربات اللون، بينما يحتفظ الأنف بمحوريته، وتظل العينان مركز التعبير. هذا الغياب يبدو قراراً جمالياً وفلسفياً عند الفنان إسماعيل، وهو قراءة الصمت بوصفه لغة صارخة. صمت يمكن قراءته على مستويات متعددة: صمت الخوف، صمت الحكمة، صمت القهر، وصمت التأمل. ولذلك تبدو اللوحات كما لو أنها تصدر ضجيجاً بصرياً هائلاً، لكنها في الحقيقة غارقة في السكون.
حضور الغياب
وفي اللوحة المرفقة ذات الخلفية الزرقاء – آخر لوحة رسمها – تتراص الرؤوس فوق بعضها بعضاً، فليس هناك فراغ تقريباً، وكأن الفنان يتعمد إلغاء المسافة بين البشر. لكن المفارقة أن هذا القرب لا يصنع ألفة، بل يزيد الإحساس بالعزلة، فكل وجه يعيش داخل وحدته الخاصة. وهذه «المفارقة» كثيراً ما اشتغل عليها الفنان، وفي أكثر من منحى.
وفي قراءة اللون الأزرق المسيطر، فهو ليس لون السماء وحدها، بل لون الذاكرة والبرد والانتظار. بينما يأتي الأخضر والأصفر ليمنحا الوجوه بقايا حياة، لا حياة مكتملة. فاللون عند نذير إسماعيل ليس وصفاً للطبيعة، بل وصفاً للحالة النفسية.
الطائر الشاهد
في الكثير من أعمال نذير إسماعيل يظهر طائر صغير فوق الرأس أو بجوار الشخصيات. أحياناً يبدو حمامة، وأحياناً يشبه الديك، وأحياناً لا ينتمي إلى نوع محدد. لكن حضوره ليس اعتباطياً، وفي اللوحات المرفقة نلاحظ أن الطائر يقف فوق الرؤوس لا أمامها، وكأنه شاهد، أو رسول، أو ربما روح تحلق فوق الأجساد الثقيلة. هذه الطيور التي أصبحت علامة فارقة في تجربة الفنان؛ فالديك ارتبط عنده بالدورة الزمنية وبالرمزية الوجودية، بينما حمل الطائر عموماً دلالات تتصل بالتحرر والعبور. والطائر هو الكائن الوحيد الذي يستطيع مغادرة اللوحة، أما البشر فمحاصرون داخلها، وكأنه يمتلك ما فقدوه، ولهذا يبدو الطائر دائماً خفيفاً، أبيض أو فاتح اللون، بينما تبدو الوجوه ثقيلة، غارقة في الطين والألوان الترابية.
ذكرنا عن تأثر الفنان بفن الإيقونات الشرقية القديمة، كما تستحضر ملامح المنحوتات السورية والرافدية، حيث تتقدم العينان على بقية التفاصيل، بصياغة تعبيرية حديثة تمزج التشخيص بالتجريد لتأكيد أن الإنسان ما زال يحمل القلق نفسه، وربما من هنا تبدو وجوهه خارج الزمن.
في آخر ما اشتغل عليه الفنان يسيطر الأزرق على خلفية اللوحة، لكنها ليست مجرد خلفية، بل بحر نفسي تطفو الوجوه داخله، فيما يحلق الطائر فوقه، وفي الكثير من أعماله يتحول الأزرق إلى رمادي أو بني، لكن الإحساس نفسه يبقى حاضراً، فاللون عند نذير إسماعيل يحمل وظيفة درامية، فيخلق من خلاله المناخ العاطفي الذي تتحرك داخله الشخصيات.
قصيدة بصرية
يمكن القول إن نذير إسماعيل لم يكن يرسم الوجوه، بل كان يرسم الصمت، وربما لم يكن يرسم الطيور، بل كان يرسم إمكانية الخلاص، فالوجوه المزدحمة ليست حشداً بشرياً، وإنما أرواح تتقاسم القلق نفسه، وقد فقدت أفواهها لأن الكلام لم يعد قادراً على تغيير العالم، أما الطائر، ذلك الكائن الصغير الذي يتكرر فوق الرؤوس، فهو الشاهد الوحيد الذي ما زال يحتفظ بامتياز الطيران.
لوحة نذير إسماعيل التي احتفظت بملامح ميزتها وفارقتها إلى حد بعيد عن المشهد الذي يكاد يكون متماثلاً.. لوحة – قصيدة بصرية ميزاتها: وجه بلا فم، وعينان مثقلتان بالأسئلة، وطائر يذكّرنا دائماً بأن السماء ما تزال موجودة، حتى لو امتلأت الأرض بزحمة الوجوه الصامتة.