الحرية – لبنى شاكر:
أطلقت جمعية أصدقاء المتاحف والمواقع الأثرية، بالتعاون مع منظمة التراث لأجل السلام، المرحلة الأولى من مشروع مسح وتوثيق العناصر الكلاسيكية في مدينة دمشق القديمة.
ويهدف المشروع إلى حفظ مرحلة مهمة من ذاكرة المدينة، وتعريف الجمهور والمجتمع المحلي بالفترة الكلاسيكية وبقاياها المعمارية المتناثرة ضمن النسيج المعماري التاريخي لدمشق القديمة.
وتتمثل الفترة الكلاسيكية في دمشق القديمة بالعصرين الهلنستي والروماني، وتمتد من دخول الإسكندر الأكبر إلى المدينة عام 333 قبل الميلاد، مروراً بالعهد الروماني، وصولاً إلى بدايات العصر البيزنطي.
وشهدت دمشق خلال هذه المرحلة إعادة تنظيم عمرانها، فشُق الشارع المستقيم (Via Recta) الممتد بين باب الجابية وباب شرقي بطول يقارب 1500 متر، كما طُورت الأسوار والأبواب، وأُقيم معبد جوبيتر فوق موقع معبد آرامي أقدم، قبل أن يتحول الموقع في العصر البيزنطي إلى كنيسة القديس يوحنا، ثم إلى الجامع الأموي في العصر الأموي.
وتُعد هذه المرحلة من أبرز الفترات التي تركت بصمتها في النسيج العمراني لدمشق القديمة، ولا تزال شواهدها المعمارية حاضرة حتى اليوم، سواء في بقايا المنشآت الكلاسيكية أو في العناصر التي أُعيد توظيفها في الأبنية اللاحقة.

منهجية التوثيق العلمي
وفي هذا السياق، بيّن رئيس الجمعية إياد غانم، في تصريح لصحيفة «الحرية»، أن أعمال التوثيق تتضمن إجراء قياسات دقيقة للأبعاد الهندسية للعناصر المعمارية، وتحديد أنواع الأحجار المستخدمة في بنائها، إضافةً إلى توثيقها فوتوغرافياً وفق أسس علمية، بما يسهم في إنشاء قاعدة بيانات متكاملة تدعم أعمال البحث والترميم والحفاظ على التراث، وقد شملت المرحلة الحالية من المشروع المنطقة الممتدة من سوق مدحت باشا وصولاً إلى قوس باب شرقي.
وأشار غانم إلى أن هذا المشروع ليس أول تعاون بين جمعية أصدقاء المتاحف والمواقع الأثرية ومنظمة التراث لأجل السلام، إذ سبق أن تم تدريب مجموعة من أعضاء الجمعية على تقنيات التوثيق الرقمي ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، بهدف توثيق المواقع الأثرية رقمياً.
لماذا العناصر الكلاسيكية؟
وفيما يتعلق بسبب اختيار العناصر الكلاسيكية للتوثيق، أوضح غانم أن دمشق، بوصفها أقدم عاصمة مأهولة في العالم، لا تزال تحمل في أزقتها وعلى جدرانها ملامح العديد من الفترات الزمنية. ورغم إن معظم الأبنية الحالية تعود إلى الفترات الإسلامية، فإنها تضم عناصر وحجارة كلاسيكية أُعيد استخدامها في عمارتها، كما أظهرت أعمال التنقيب الحديثة غنى الطبقات الأثرية بالشواهد الكلاسيكية، الأمر الذي يستدعي إعادة قراءة هذه الصفحة من تاريخ دمشق، وتعريف المهتمين بخبايا المدينة، واستثمار هذه الشواهد ضمن الجولات السياحية.
تحديات العمل الميداني
وعن أبرز التحديات التي تواجه فرق المسح والتوثيق أثناء العمل داخل الحارات والأبنية التاريخية المأهولة، قال غانم: «أبرز التحديات يتمثل في ضعف التعاون من قبل المجتمع المحلي، والخوف من التصريح عن وجود أو مشاهدة أي عناصر إنشائية أو معمارية داخل المنازل».
مخرجات المشروع
وفي ختام حديثه، أشار إلى أن أهم مخرجات المشروع تتمثل في إعداد خريطة أثرية، وإنشاء أرشيف رقمي، وطباعة كتالوغ خاص بالفترة الكلاسيكية لمدينة دمشق، وذلك بالتعاون مع فريق مختص من المديرية العامة للآثار والمتاحف (دائرة آثار دمشق)، التي تعمل على إنجاح هذا المشروع لما يمثله من أهمية علمية وتراثية.