الحرية – مركزان الخليل:
تعد الضرورة والحاجة محركين أساسيين لاختراع الحلول للمشاكل والمعوقات في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وغيرها، وهذه من المسلمات في العلوم والحياة اليومية وتطور مستلزماتها، وكل ذلك يُفضي بالضرورة إلى وجود محركات أساسية لترجمتها على أرض الواقع.
ومن هذه الاختراعات التحول الرقمي الذي يشكل أبرز هذه المحركات لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز فرص النمو الاقتصادي، حيث باتت التقنيات الرقمية أداة أساسية في تطوير سوق العمل، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين الشباب من اكتساب المهارات اللازمة لمواكبة الحداثة في كافة جوانب الاقتصاد الحديث المتنوعة.
وفي رأي الكثير ممن التقتهم «صحيفة الحرية»، فإن التحول الرقمي يشكل أحد المسارات التي تحظى بالاهتمام ضمن الحياة اليومية السورية، وذلك انطلاقاً من دوره في دعم ريادة الأعمال، وتوسيع فرص التعليم والتدريب، وتوفير بيئة أكثر مرونة للاستثمار وزيادة الإنتاجية الوطنية بكافة أشكالها.
استثمار في رأس المال البشري
يؤكد رجل الأعمال محمد الحلاق أن الاستثمار في البنية الرقمية لا يقتصر على تطوير التكنولوجيا فحسب، بل يمتد إلى بناء الإنسان القادر على توظيف المعرفة في الإنتاج والابتكار. فالشباب السوري يمتلك طاقات علمية وإبداعية يمكن أن تتحول إلى مشاريع اقتصادية ناجحة عند توفير بيئة رقمية داعمة، تشمل التدريب والتمويل وحاضنات الأعمال والمنصات الإلكترونية التي تربط أصحاب الأفكار بالأسواق المحلية والخارجية، لترجمة مفاعيلها على أرض الواقع، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان في عالم العلم والابتكار.
والأهم في رأي الحلاق، إسهام التحول الرقمي في تخفيض تكاليف تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويفتح آفاقاً جديدة للعمل عن بعد، والتجارة الإلكترونية، والخدمات البرمجية، والصناعات الإبداعية، بما يعزز مساهمة الشباب في النشاط الاقتصادي، وزيادة الإنتاجية الوطنية المطلوبة التي تنعكس بالضرورة على تحسين مستوى معيشة الأسر السورية وتعزيز قوتها الاجتماعية.
الرقمنة والعدالة الاجتماعية
ولا يقتصر أثر الرقمنة على الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى تعزيز العدالة في الوصول إلى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، من خلال المنصات الرقمية التي تسهل إنجاز المعاملات وتوفير المعلومات وتطوير برامج التدريب الإلكتروني وغيرها.
كما يرى الحلاق أن نشر الثقافة الرقمية يسهم في تمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في المجتمع، ويعزز قيم الابتكار والعمل التطوعي، إلى جانب رفع مستوى الوعي باستخدام التقنيات الحديثة بصورة مسؤولة وآمنة، يمكن من خلالها تحقيق نتائج إيجابية أفضل نلمسها بصورة مباشرة في الحياة اليومية المرتبطة بالأسرة، والتي هي هدف أساسي لكل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
المطلوب رؤية متكاملة لنجاح التحول الرقمي
وتأكيداً لما سبق، يرى الخبير التنموي الدكتور إيهاب اسمندر أن نجاح التحول الرقمي يرتبط بوجود رؤية متكاملة تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الموارد البشرية، وتحديث التشريعات الاقتصادية بما يواكب التطورات التقنية والتكنولوجية التي تشهد اليوم حضوراً مميزاً على الساحة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية في العالم. وبالتالي، نحن في سوريا جزء من هذا العالم، ولا بد من الاستفادة من كل هذه المتغيرات لتحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي انطلاقاً من الأسرة السورية، باعتبارها النواة الأساسية في المجتمع السوري.
من هنا يجد اسمندر أن التحول الرقمي أصبح مصدراً مهماً لتوفير فرص العمل واستقطاب الاستثمارات، وأن دعم المشاريع الريادية القائمة على التكنولوجيا يمكن أن يرفع من مساهمة الشباب في الناتج المحلي، ويزيد من تنافسية الاقتصاد، ويحد من هجرة الكفاءات، شريطة توفير بيئة أعمال مستقرة ومحفزة للابتكار، وآمنة للعمل، وقوة متجددة لزيادة الإنتاج والإنتاجية.
التنمية وشراكة الشباب
إضافة إلى ما سبق ذكره، فإن التحول الرقمي يمثل فرصة لتعزيز مشاركة الشباب في التنمية المحلية، من خلال المبادرات المجتمعية الرقمية، وبرامج التدريب المهني، والمشاريع التطوعية التي تعتمد التقنيات الحديثة في تقديم الخدمات، وفق رأي اسمندر، الذي يؤكد أيضاً أن تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع الأهلي، من شأنه توسيع دائرة الاستفادة من الاقتصاد الرقمي، وإعداد جيل يمتلك المهارات المطلوبة في أسواق العمل المستقبلية، وفق رؤية واضحة وسليمة، مؤسس لها بصورة علمية مدروسة وممنهجة.
من خلال ما سبق، يمكننا القول إن التحول الرقمي ضمن هذه الظروف يشكل فرصة لتطوير قطاعات التعليم والصحة والصناعة والزراعة والخدمات، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والأهم أن الاستثمار في الابتكار وريادة الأعمال الرقمية يمكن أن يشكل ركيزة لدعم الاقتصاد الوطني وفتح مجالات جديدة أمام الشباب للإبداع والابتكار في زيادة الإنتاج وتحسن الواقع العام للمجتمع.
ومن هنا نجد أن التحول الرقمي يبقى الخيار الاستراتيجي الأفضل لبناء اقتصاد أكثر مرونة ومجتمع أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات العالمية، ويعد تمكين الشباب من المهارات الرقمية، وتوسيع فرص الابتكار، وتعزيز البيئة التشريعية والاستثمارية، من أهم العوامل التي تسهم في تحويل التكنولوجيا إلى قوة دافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بكل أشكالها وأبعادها.