من أداة إحصاء إلى أداة قرار.. المسح الأسري بوابة لفهم الدخل والإنفاق في سوريا

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – هناء غانم:

كيف يمكن لدولة أن تخطط لاقتصادها دون أن تعرف كيف يعيش مواطنوها؟.. لسنوات طويلة، لم تكن المشكلة في سوريا نقص الموارد فقط، بل في غياب ما هو أخطر: البيانات الدقيقة.

وفي ظل هذا الفراغ، تحولت القرارات الاقتصادية إلى اجتهادات، والسياسات إلى محاولات غير مكتملة، بينما بقيت حياة الأسر الحقيقية خارج الحسابات الرسمية.

اليوم، يبرز المسح الأسري كأحد أهم المفاتيح لكسر هذه الحلقة، وإعادة بناء صورة واقعية للاقتصاد السوري من داخل البيوت.

المسح الأسري: أكثر من أرقام.. قراءة في حياة الناس

بعد سنوات من الحرب، لم يعد فهم الواقع المعيشي للأسر ترفاً، بل ضرورة، فتباين الدخل، وارتفاع التضخم، واتساع الفجوات بين المناطق، كلها عوامل تجعل من المسح الأسري أداة حاسمة لفهم ما يجري فعلياً.

الدكتور شامل بدران، المستشار الاقتصادي في هيئة التخطيط والإحصاء، أوضح في تصريح لـ”الحرية”، أن المسح الأسري ليس مجرد مشروع عابر، بل هو بوابة لفهم واقع الأسرة السورية بكل تفاصيلها الاقتصادية، من خلال مسح دخل ونفقات الأسرة، الذي يشكل حجر الزاوية لإعادة بناء منظومة الإحصاء الوطنية على أسس علمية دقيقة وحديثة. وأضاف أن هيئة التخطيط تعمل ضمن هذا التوجه على تحليل حجم الإنفاق بين الفئات والمناطق، وتحديد الفجوات الاقتصادية، وتحديث سلة المستهلك بما يعكس الواقع الفعلي للأسر، ليكون المسح أداة مباشرة لرسم سياسات اقتصادية دقيقة.

عام كامل من العمل.. لكسر فوضى التقديرات

وبعيداً عن الحلول السريعة، أشار بدران إلى أن المسح الحقيقي لا يُنجز بين ليلة وضحاها، بل يمتد على مدار عام كامل، حيث تُتابع الأسر شهرياً لتسجيل نفقاتها بدقة. هذا النهج، القائم على منهجيات دولية وخبرات وطنية، لا يهدف فقط إلى جمع البيانات، بل إلى سد فجوات واسعة تركتها المسوح السابقة، والتي أبقت قطاعات ومناطق كاملة خارج التغطية الإحصائية.

البيانات من أداة إحصاء إلى أداة قرار

من منظور أوسع، لا يتعلق الأمر بجمع الأرقام فقط، بل بكيفية استخدامها، فنجاح المسح، كما يؤكد بدران، يعتمد بالدرجة الأولى على جمع بيانات دقيقة وموثوقة تمثل الواقع الفعلي للأسر، لأن أي خلل في هذه البيانات يعني بالضرورة سياسات غير دقيقة. ومن خلال هذه البيانات، يصبح بالإمكان تحديد أولويات الإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء، وقياس التضخم بدقة وتوزعه جغرافياً، وتوجيه الموارد نحو الفئات الأكثر حاجة، أي أن البيانات هنا تتحول من مجرد أرقام إلى أداة مباشرة لإدارة الاقتصاد.

فجوة 20 عاماً.. حين غابت الأرقام

هذا التحول لا يمكن فهمه دون العودة إلى جذور المشكلة، فقد أشار الباحث الاقتصادي الدكتور أكرم القيش، في تصريح لـ”الحرية”، إلى أن غياب البيانات لأكثر من عشرين عاماً شكل عائقاً كبيراً أمام التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، حيث تحولت القرارات في كثير من الأحيان إلى تقديرات، بسبب غياب الأدوات التي تقيس الواقع بدقة.

وأوضح أن كثيراً من البيانات جُمعت سابقاً بطرق غير منهجية، أحياناً عبر الهاتف، ما جعلها غير صالحة للاستخدام، وخلق فجوة قد تصل إلى 60% بين الواقع والبيانات المتاحة، وهذه الفجوة لم تكن رقماً فقط، بل انعكست على ضعف كفاءة السياسات الحكومية، وخلل في توزيع الموارد، وعدم القدرة على استهداف الفئات الأكثر حاجة.

من التقديرات إلى الحقائق

اليوم، لم يعد إصلاح المنظومة الإحصائية خياراً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية. فإعادة بناء هذه المنظومة يعني تحديث أدوات جمع البيانات، وتعزيز التعاون بين منتجي البيانات ومستخدميها، والتحول نحو الأنظمة الرقمية. كما يؤكد القيش، إن امتلاك بيانات دقيقة وشفافة لا يعني فقط فهم الحاضر، بل هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وعدالة.

في النهاية، لا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي حقيقي دون فهم ما يجري داخل الأسر. فالمسح الأسري، في جوهره، ليس مجرد مشروع إحصائي، بل محاولة لإعادة ربط السياسات بحياة الناس، وتحويل الاقتصاد من أرقام عامة إلى واقع ملموس. وبين غياب البيانات في الماضي، ومحاولات استعادتها اليوم، تقف سوريا أمام لحظة حاسمة: إما الاستمرار في إدارة الاقتصاد بالتقديرات، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة، حيث تبدأ كل سياسة من رقم دقيق، وكل قرار من واقع حقيقي.

Leave a Comment
آخر الأخبار