فاتورة الإهمال وسوء التغذية.. أسرار الإصابات الرياضية التي تنهي مستقبل النجوم

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – دينا عبد:
يتعرض الرياضيون أثناء تدريباتهم اليومية إلى إصابات قد تمنعهم من الحركة تماماً، وبعضها يقودهم إلى مكوث طويل في غرف العلاج أو يضع كلمة النهاية لمسيرتهم في الملاعب، وفي هذا السياق، يُبيّن المختص في الطب الرياضي، الدكتور غيث كردي، في حديثه لصحيفة «الحرية»، أبرز هذه الإصابات وآلياتها وتداعياتها الخطيرة.

الالتواءات المفصلية.. درجات متفاوتة ومخاطر حتمية

تُعد الالتواءات من أبرز الإصابات التي تمس الأربطة المتينة المسؤولة عن ربط العظام ببعضها وتثبيت المفاصل، وبحسب الدكتور كردي، تحدث هذه الإصابة نتيجة حركة دورانية مفاجئة أو قسرية تتجاوز المدى الحركي الطبيعي، وتُصنف سريرياً إلى ثلاث درجات:

  • الدرجة الأولى: تمدد طفيف وتمزقات مجهرية بسيطة، يترافق مع ألم خفيف دون خلل في استقرار المفصل.
  • الدرجة الثانية: تمزق جزئي واضح، يرافقه ألم متوسط إلى شديد، وتورم موضعي ناتج عن النزف، مع ضعف جزئي في ثبات المفصل.
  • الدرجة الثالثة (الأشد خطورة): تمزق كامل وانقطاع تام في الرباط، مما يؤدي إلى فقدان فوري لاستقرار المفصل وعدم القدرة على تحمل الوزن، ويترافق مع ألم حاد وشعور بالخدر نتيجة تضرر النهايات العصبية.

ويشير الدكتور كردي إلى أن هذه الحالة تتطلب تدخلاً جراحياً دقيقاً أو تثبيتاً طويل الأمد. ويُعد «التواء الكاحل الوحشي» الإصابة الأكثر تسجيلاً نتيجة تضرر الرباط الكاحلي الشظوي الأمامي، يليه مباشرة التواء مفصل الركبة وتضرر الأربطة المتصالبة والجانبية.

د. كردي: أخطاء الملاعب والطب الشعبي قد تقود اللاعب إلى الاعتزال الإجباري

الكدمات العضلية.. خطر الإهمال والتدليك العنيف

وتُعد «الكدمات العضلية» حسب الدكتور كردي إصابة مغلقة تصيب الأنسجة الرخوة والعضلات مباشرة جراء ضربة من لاعب آخر أو جسم صلب، ما يؤدي لتمزق الشعيرات الدموية وتسرب الدم دون تهتك الجلد، يتجمع الدم تحت الجلد على هيئة بقع زرقاء أو أورام دموية، محذراً من خطر اختلاطات هذه الكدمات عند إهمالها أو تدليكها بعنف وبشكل مبكر، إذ يُحفز ذلك الإصابة بـ «التهاب العضل التعظمي»، حيث يبدأ الجسم بترسيب الكالسيوم خطأً داخل النسيج العضلي، مفقداً العضلة مرونتها وقدرتها الانقباضية نهائياً.

إصابات الغضروف الهلالي.. جغرافية التروية الدموية ومصير الشفاء

واوضح الدكتور كردي أن إصابات الغضروف الهلالي تمثل تمزقاً في الأقراص الغضروفية الليفية داخل مفصل الركبة، والتي تعمل كممتص للصدمات ومثبت للحركة، وتحدث نتيجة التواء حاد أثناء الارتكاز الكامل وحمل الوزن، ويُعد الغضروف الهلالي الإنسي الأكثر عرضة للإصابة لقلة حركته وثباته المحكم.
وهنا تلعب «التروية الدموية» دوراً فاصلاً في تحديد مصير الشفاء، حيث تنقسم جغرافياً إلى منطقتين:

  • المنطقة الحمراء (الخارجية): تتميز بتروية غزيرة تمنحها قدرة عالية على الشفاء الذاتي أو عبر الخياطة والترميم الجراحي.
  • المنطقة البيضاء (الثلثان الداخليان):  خالية تماماً من الأوعية الدموية وتعتمد على السائل الزليلي، مما يعني أن تمزقاتها لا تشفى تلقائياً وتتطلب تدخلاً جراحياً للاستئصال الجزئي لتجنب انقفال الركبة المفاجئ وفقدان الثبات.

المعايير الطبية لخطورة الإصابات الرياضية

ويؤكد الدكتور كردي أن تقييم خطورة الإصابة الرياضية يعتمد على مدى تهديدها للسلامة الوظيفية والبنيوية للعضو المصاب، وتتلخص في ثلاثة بنود رئيسيةهي:

  1. انقطاع التروية الدموية:  انضغاط أو انقطاع الشرايين المغذية للمفصل (كما في خلع الركبة الشديد)، مما يهدد بتموت الأنسجة.
  2. الأذى العصبي: انضغاط أو تمزق الأعصاب المحيطة بالمفصل، متسبباً بفقدان الحس أو القدرة الحركية.
  3. فقدان الاستقرار الميكانيكي: تضرر الأربطة والدعامات التثبيتية، مما يمنع تحمل الوزن ويؤدي لتآكل مبكر في السطوح المفصلية.

سوء التغذية ونقص الراحة.. وقود الإصابات الخفي

وأشار الدكتور كردي إلى أنه عندما يدمج اللاعب بين العمل المجهد والتدريب المكثف دون استشفاء مدروس، تظهر اضطرابات فيزيولوجية خطيرة، فعجز الطاقة الناتج عن سوء التغذية يسبب خللاً هرمونياً حاداً (انخفاض التستوستيرون)، مما يضعف ترميم الأنسجة والمناعة. كما تتشكل «الكسور الإجهادية» في عظام الساق أو القدم بسبب تفوق الهدم على البناء بغياب الكالسيوم وفيتامين «D» والراحة.
ويشير إلى أن حرمان الجسم من النوم المريح يمنع الغدة النخامية من إفراز هرمون النمو المسؤول عن إصلاح التمزقات العضلية، مما ينقل العبء مباشرة إلى الأربطة والغضاريف، فضلاً عن أن نقص مخازن السكر يخل بالتوافق العضلي العصبي ويزيد من احتمالية السقوط والإصابة.

الواقع الطبي والاجتماعي في البيئة السورية

كما تتضاعف خطورة الإصابات وتتدهور نسب الشفاء في سوريا بفعل عوامل واقعية محيطة باللاعب: منها

  • أولاً: تراجع الطرق التشخيصية والعلاجية:  غياب أجهزة الرنين المغناطيسي الحديثة وقوائم الانتظار الطويلة تحول الإصابات البسيطة إلى مزمنة، إضافة لمحدودية التقنيات الجراحية وغياب مراكز التأهيل المتخصصة.
  • ثانياً: أزمة الوعي والطب الشعبي: لجوء اللاعبين إلى «المجبر الشعبي» والتمسيد العنيف يزيد النزف الداخلي ويحول التمزقات الجزئية إلى كاملة، يرافقها إصرار اللاعب على اللعب فوق الألم، مما يؤدي لتفاقم الإصابات البسيطة وتحول الشق الغضروفي الصغير جداً إلى تمزق منمط وكبير يقفل المفصل بالكامل.
  • ثالثاً: الواقع الاقتصادي السيئ: اضطراب لاعبي أندية الدرجات المتوسطة والهواة للعمل بمهن مجهدة لساعات طويلة ومتواصلة بعد التدريب يمنع الاستشفاء ويرفع الكورتيزول المهدم للأنسجة، ناهيك عن عجزهم المادي عن تأمين الغذاء السليم الغني بالبروتينات والمكملات الأساسية مثل الكالسيوم وفيتامين «D»، أو تحمل نفقات الفحوصات الطبية الخاصة أو تكاليف جراحة المناظير في القطاع الخاص، مما يدفع اللاعب لإهمال إصابته والاستمرار بالركض مستعيناً بالمسكنات حتى حدوث عجز وظيفي كامل ينهي مسيرته الرياضية مبكراً وبشكل مأساوي.

حالات طبية تنهي المسيرة الرياضية للاعبين

ويختتم الدكتور كردي بالإشارة إلى وجود «خطوط حمراء» في الطب الرياضي الحديث تمثل حالات عجز طبي تمنع العودة إلى الملاعب بشكل نهائي لحماية حياة اللاعب وصحته المستدامة، وتشمل بشكل أساسي، مثل اعتلال عضلة القلب الضخامي واضطرابات النظم الحادة:  حيث يحدث تضخم غير طبيعي في جدار البطين الأيسر للقلب، ما يرفع احتمالية تعرض اللاعب لخطر الموت المفاجئ نتيجة حدوث اضطراب النظم البطيني القاتل أثناء ممارسة الجهد البدني العالي.
كما يصاب بمتلازمة الارتجاج الدماغي المتكرر والتلف التراكمي، والتي تنتج عن تعرض الرأس لضربات متتالية ومستمرة تؤدي لتنكس خلايا الدماغ وتراجع القدرات المعرفية والعصبية الحادة للاعب، مما يجبره طبياً على الاعتزال الفوري لحماية قواه العقلية الأساسية.
كذلك الفصال العظمي المتقدم والتآكل المفصلي الكامل حيث تغيب الغضاريف المفصلية الواقية تماماً وتبدأ العظام بالاحتكاك المباشر ببعضها البعض، مما يمنع الحركة الوظيفية الطبيعية للمفصل ويجعل ممارسة أي نشاط رياضي أمراً مستحيلاً بفعل الألم الخانق.
أخيراً فشل إعادة بناء الأربطة المتكرر وفقدان الثبات المفصلي، ويحدث عند عدم نجاح العمليات الجراحية المتتالية لإصلاح الرباط الصليبي على سبيل المثال، مما يتسبب في تدهور جودة الطعوم الحيوية المستبدلة وفقدان استقرار وتوازن المفصل نهائياً، وتزداد هذه النسب محلياً بفعل رداءة بعض المستهلكات الطبية المتاحة وسوء بروتوكولات التأهيل المتبعة.

Leave a Comment
آخر الأخبار