الحرية- ربا أحمد:
يطرح اليوم الكثير من أصحاب الدخل المحدود أسئلة معيشية مشروعة ومتلازمة في حياتهم، وأبرزها ما أسباب الفجوة بين الموارد في سوريا وقيمة دخل الفرد فيها؟ وما هي الحلول المقترحة لاستغلال هذه الموارد؟
وهل تعتبر الإدارة الاقتصادية قاصرة على إدارة واستثمار هذه المدخلات سواء كانت نفطية أو زراعية أو سياحية أو غيرها؟
وما دور زيادة قيمة المستوردات في تآكل قيمة موارد البلاد؟ وكيف يمكن إدارة هذا الخلل؟ وما سبب تراجع قيمة دخل الفرد في سوريا قياساً بدول الجوار ؟
مقومات إنتاجية
للإجابة عن هذه الأسئلة أوضح الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة طرطوس محمد صلاح أبو عيسى أن الحالة الاقتصادية في سوريا تشكل نموذجاً تطبيقياً لإشكالية “فجوة الموارد–الدخل”، حيث تتوافر مقومات إنتاجية متنوعة (زراعية، طاقية، سياحية)، في مقابل تراجع حاد في مؤشرات الرفاء الاقتصادي، وعلى رأسها دخل الفرد.
ووفق تقديرات البنك الدولي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سوريا بأكثر من 60% منذ عام 2010، ما انعكس مباشرة على مستوى الدخل الفردي.
ثلاثة أبعاد رئيسية
ويشير أبو عيسى إلى أنه رغم أن سوريا كانت تنتج قبل عام 2011 نحو 380 ألف برميل نفط يومياً، وتُعد من الدول ذات القاعدة الزراعية الواسعة (حيث شكّل القطاع الزراعي نحو 20–25% من الناتج المحلي قبل الأزمة)، إلا أن هذه الموارد لم تُترجم إلى رفاهية اقتصادي مستدام.
ويمكن تفسير ذلك عبر ثلاثة أبعاد رئيسية وهي أولاً: اختلال هيكل الاقتصاد حيث الاعتماد النسبي على الإيرادات الريعية، خاصة النفط، أدى إلى ضعف تنويع القاعدة الإنتاجية، وهي ظاهرة ترتبط بما يُعرف بـ”لعنة الموارد”.
وثانياً: ضعف الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج حيث تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الإنتاجية في سوريا شهدت تراجعاً مستمراً حتى قبل الأزمة، نتيجة ضعف الاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري.
وثالثاً: الصدمات المركبة نتيجة الحرب، والعقوبات الاقتصادية، وتدمير البنية التحتية، التي أدت إلى فقدان ما يزيد على 50% من القدرة الإنتاجية الصناعية، وفق تقارير الإسكوا.
العائد من الموارد
وأكد أبو عيسى أن التجارب الدولية تشير إلى أن تحويل الموارد إلى نمو مستدام يتطلب سياسات نشطة، من أبرزها تطوير سلاسل القيمة، أي بدلاً من تصدير القطن أو القمح كمواد خام، ينبغي تطوير صناعات نسيجية وغذائية ذات قيمة مضافة.
إلى جانب إعادة هيكلة القطاع النفطي من خلال توجيه العوائد نحو الاستثمار الإنتاجي، وليس الإنفاق الجاري، وكذلك التحول نحو اقتصاد المعرفة عبر الاستثمار في التعليم التقني والرقمي، خاصة أن رأس المال البشري يمثل العامل الحاسم في النمو طويل الأجل.
وآخرها تفعيل قطاع السياحة حيث كانت السياحة تساهم بنحو 12% من الناتج المحلي، ما يجعلها رافعة سريعة نسبياً للنمو عند استقرار الظروف.
كفاءة الإدارة الاقتصادية
ويضيف أبو عيسى: لا يمكن اختزال الإشكالية في “قصور إداري” بالمعنى التقليدي، بل يجب فهمها كأزمة حوكمة اقتصادية متعددة المستويات ، وفق مؤشرات صندوق النقد الدولي، تعاني الاقتصادات المتأثرة بالنزاعات من ضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية ومحدودية القدرة على تنفيذ الإصلاحات إضافة إلى ارتفاع درجة عدم اليقين.
وفي الحالة السورية، تتجلى المشكلة في فجوة التنفيذ أكثر من فجوة التخطيط.
استنزاف الموارد
ويبين أبو عيسى أن بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تشير إلى أن الميزان التجاري السوري يعاني من عجز مزمن، حيث تتجاوز قيمة المستوردات الصادرات بفارق كبير.
وهذا له مجموعة من الآثار الاقتصادية أهمها استنزاف الاحتياطيات من العملات الأجنبية وضغط مستمر على سعر الصرف وإضعاف تنافسية الإنتاج المحلي..
ويرى أبو عيسى أن يعالج ذلك بتطبيق سياسة إحلال الواردات الانتقائي، أي دعم الصناعات المحلية ذات الميزة النسبية وتعزيز الصادرات غير النفطية.
مقارنة بدول الجوار
ويوضح المدرس في كلية الاقتصاد جامعة طرطوس أنه وفق تقديرات البنك الدولي، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي في سوريا إلى أقل من 1000 دولار سنوياً في السنوات الأخيرة، مقارنة بـأكثر من 4000 دولار في الأردن، ونحو 3500–4000 دولار في مصر.
محدداً الأسباب الرئيسة بالانكماش الاقتصادي الحاد والتضخم المرتفع (الذي تجاوز في بعض السنوات 100%)، وتدهور سعر الصرف، إضافة إلى فقدان الاستثمارات ورأس المال البشري.
في المقابل، اعتمدت دول الجوار على إصلاحات اقتصادية تدريجية وجذب الاستثمار الأجنبي وتنويع مصادر الدخل.
خلل في آليات التحول
ويختم أبو عيسى بأن البيانات تؤكد أن الفجوة بين الموارد والدخل في سوريا ليست نتيجة نقص في الإمكانات، بل تعكس خللاً عميقاً في آليات التحول، وإن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب الانتقال من اقتصاد ريعي/استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي وإعادة بناء المؤسسات على أسس الكفاءة والشفافية إضافة إلى الاستثمار المكثف في رأس المال البشري .
وبذلك، يتحول السؤال من “لماذا نحن فقراء رغم مواردنا؟” إلى “كيف نبني نموذجاً اقتصادياً قادراً على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة مستدامة؟”