الحرية – نهلة أبو تك:
لم يعد الحديث عن دعم الشركات الناشئة في سوريا خياراً ثانوياً أو استجابة ظرفية، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل الاقتصاد السوري وطبيعة موقعه في عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوة عبر التكنولوجيا والابتكار.
إطلاق “الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية” الذي عُقد مؤخراً في دمشق يعكس هذا التحول، ليس كمبادرة قطاعية معزولة، بل كمؤشر على انتقال تدريجي في التفكير الاقتصادي نحو بناء نموذج إنتاجي جديد، قاعدته المعرفة وأداته الابتكار.
في قراءة تحليلية لهذا المسار، يقدم مدير فرع سوريا في الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي الدكتور محمد عمار دلول رؤية مفادها أن ما يجري اليوم يمثل بداية انتقال من اقتصاد يسعى إلى التعافي إلى اقتصاد يحاول امتلاك أدوات المستقبل.
فجوة رقمية أم فرصة مؤجلة؟
يرى دلول أن السنوات الماضية لم تخلّف تحديات اقتصادية تقليدية فقط، بل أوجدت فجوة رقمية واسعة بين سوريا والتحولات العالمية، تمثلت في ضعف الوصول إلى التكنولوجيا، وتراجع الاندماج في منظومات الابتكار، وانكماش فرص التمويل في القطاعات المعرفية. لكن هذه الفجوة، وفق قراءته، لا تُقرأ كعائق فقط، بل كفرصة لإعادة بناء النموذج الاقتصادي من أساسه، إذا ما جرى التعامل معها بمنطق التحول لا بمنطق الاستجابة. ومن هنا تبرز أهمية دعم الشركات الناشئة باعتبارها الأداة الأكثر مرونة في إعادة إنتاج القيمة الاقتصادية، خاصة في البيئات التي تمر بمرحلة إعادة تشكل.
من اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد المبادرة
يؤكد دلول لـ”الحرية” أن القيمة الجوهرية للأجندة الوطنية لا تكمن في زيادة عدد المشاريع، بل في إعادة تعريف وظيفة الاقتصاد نفسه، عبر الانتقال إلى نموذج يقوم على تحويل البحث العلمي إلى منتجات قابلة للتطبيق، وتحويل الأفكار إلى كيانات اقتصادية مستدامة، وبناء بيئة تشريعية محفزة للابتكار، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أساس الشراكة.
هذا التحول يعني عملياً الانتقال من اقتصاد ينتظر الحلول إلى اقتصاد ينتجها.
البعد العربي.. تكامل استراتيجي
يربط دلول هذا المسار بـ”الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي” التي أُقرت في قمة القادة العرب عام 2022، باعتبارها إطاراً استراتيجياً يهدف إلى توحيد الجهود العربية في مجالات التحول الرقمي والابتكار، وتشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، تحديث التشريعات، دعم ريادة الأعمال، الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الحوكمة الرقمية. ومن هذا المنظور، يمكن للأجندة الوطنية في سوريا أن تشكل مساراً تطبيقياً محلياً لهذا الإطار الإقليمي، بما يسرّع من عملية الاندماج في الاقتصاد الرقمي العربي.
التحدي الحقيقي.. من الرؤية إلى المؤسسة
يشير دلول إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في تحويلها إلى سياسات تنفيذية قابلة للقياس والتطبيق.
ويطرح في هذا السياق ضرورة إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، باعتبارها خطوة تنظيمية واستراتيجية تهدف إلى توحيد المرجعية الرقمية، تسريع اتخاذ القرار في قطاع سريع التطور، تحويل الاستراتيجيات إلى برامج تنفيذية، تعزيز ثقة المستثمرين، وترسيخ مفهوم السيادة الرقمية.
السيادة الرقمية.. التحول الأعمق
ينتقل النقاش هنا من دعم الشركات إلى مفهوم أكثر عمقاً هو السيادة الرقمية، حيث تصبح البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التكنولوجية عناصر قوة اقتصادية وسيادية.
ويحذر دلول من أن غياب رؤية متكاملة يجعل أي مبادرات تكنولوجية محدودة الأثر ما لم تُدمج ضمن استراتيجية وطنية شاملة.
بداية إعادة تشكيل للاقتصاد
وفق رؤية الدكتور محمد عمار دلول، فإن ما يجري اليوم لا يقتصر على دعم قطاع ناشئ، بل يشكل بداية إعادة تشكيل للاقتصاد السوري على أسس رقمية حديثة. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة المنظومة الاقتصادية على الانتقال من مرحلة المبادرات إلى مرحلة البناء المؤسسي المتكامل، بما يضمن تحويل الطموحات إلى نتائج ملموسة. وفي عالم يُعاد تشكيله رقمياً، لم يعد السؤال: ماذا نريد؟ بل: هل نملك الأدوات لتحويل ما نريده إلى واقع؟
الكلمات المفتاحية:
الاقتصاد الرقمي في سوريا، الشركات الناشئة، التحول الرقمي، السيادة الرقمية، ريادة الأعمال، الاستثمار التكنولوجي، الابتكار، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد السوري، محمد عمار دلول.