الحرية – عثمان الخلف:
كشف مدير الآثار والمتاحف في محافظة دير الزور، خطاب السايح، عن تعرض جميع المواقع الأثرية في المحافظة لسرقات وتعديات خلال السنوات الماضية، لا سيما فترة سيطرة تنظيم «داعش»، ناهيك عن تعديات نظام الأسد البائد، فيما بدا عملاً منظماً نشط فيه أناس من أبناء المناطق التي تحتضن تلك المواقع.
الحاجة لحراس وكوادر وآليات
وصف السايح، في حديثه لـ«الحرية»، ما جرى بالمحزن، مشيراً إلى أعمال حفر لا تُحصى لأنفاق، كما في «دورا أوروبوس»، و«ماري»، وفي الكسرة، وغيرها، بل وصل الأمر إلى قيام تنظيم «داعش» بتقسيم تلك المواقع للمنقبين مقابل الأموال التي يستحصل عليها، ناهيك عمن بات يبني مسكنه في حرم الموقع الأثري، مثلما حدث ببناء أحدهم «فيلا» عند موقع «حلبية وزلبية»، ولا يزال أمرها منظوراً من قبل القضاء.
وأكد أن التعديات باتت في تضاؤل، وذلك إثر رصدها من قبل قوى الأمن الداخلي، حيث أدى ذلك إلى توقيف الكثير من المتعدين الذين مارسوا أعمال تنقيب، وتم سجنهم، ما أدى إلى تخوف أمثال هؤلاء من القيام بتلك الأعمال غير المشروعة التي يُعاقب عليها القانون.
وأشار إلى أن دائرة الآثار بحاجة ماسة لعاملين حراس، بغية حماية المواقع الأثرية، فوجودهم لا شك يبعث برسائل لكل متعدٍ بأن الوضع لم يعد سائباً، ناهيك عن الحاجة لكوادر هندسية وسواها من الكوادر التي تعزز عمل الدائرة، إضافة إلى سيارات تخدمهم بمتابعة وضع كل المواقع الأثرية ميدانياً، والتواصل مع المجتمع المحلي من مخاتير ووجهاء وأئمة مساجد لنشر الوعي بأهمية تلك الآثار، سواء من الناحية الاقتصادية بما تدره على أهالي كل منطقة من مردود مالي، كما السابق، إذ كان مجيء بعثات التنقيب الموسمي يحرك الوضع المعيشي في المنطقة، ومع توافد السياح، فإن هذا الأمر يكسبهم أموالاً تسهم في تأمين متطلباتهم الحياتية.
والإمكانات المتاحة لعمل دائرة الآثار تكاد تكون معدومة، وفق حديث مدير الآثار، الذي لا يزال يعتمد دراجة هوائية للوصول إلى مبنى المديرية، موضحاً أن الدائرة كانت تعتمد في السنوات الماضية على وارد جيد، سواء من البعثات الأثرية أو السياح، الذين كانت تُقطع لهم تذاكر الزيارات في 3 مواقع، منها: متحف دير الزور، وموقع «حلبية وزلبية»، إضافة إلى موقع مملكة ماري بالقرب من بلدة السيال، وتتراوح أعدادهم موسمياً بشكل يومي بين 500 و1000 سائح.
وبيّن السايح الحاجة لتظافر جهود الجميع من المعنيين إلى المجتمع المحلي، إلى الإعلام، في سبيل تسليط الضوء أكثر على واقع الآثار في المحافظة، لافتاً إلى أنهم كمديرية يتابعون رصد وتوثيق تلك التعديات وحجمها، علماً أن ذلك يتطلب وقتاً.
أضرار بمبنى المتحف
من جهته أكد الباحث الآثاري ياسر شوحان، الذي شغل إدارة مديرية الآثار والمتاحف بدير الزور في سنوات ما قبل الثورة، في حديثه لـ«الحرية» أن تعمّد النظام البائد تحويل مدينة دير الزور إلى أشبه بمنطقة عسكرية، مستخدماً القوة النارية لقمع الثورة، أضر بمبنى المتحف من قاعات وأسقف ونوافذ، وتُرك محتواه عرضة للغبار والرطوبة، ناهيك عن تحويله إلى أشبه بمقر عسكري لاحقاً.
كما بيّن أنه جرى في عام 2014 إجلاء عدد كبير من القطع الأثرية الموجودة في متحف دير الزور إلى دمشق بهدف الحماية، والتي لا يُعرف عددها.
تعديات وحفريات ودمار
وأشار شوحان إلى حجم الكارثة التي لحقت بالمواقع الأثرية في دير الزور، حيث تعرضت مواقع أثرية بارزة لعمليات تنقيب غير قانونية واسعة النطاق وسرقات ممنهجة، وفقاً لتقارير بهذا الشأن. ففي موقع «دورا أوروبوس»، وثّقت التقارير وجود أكثر من 300 حفرة غير قانونية في الموقع نتيجة عمليات تنقيب مكثفة، مع تقديرات تشير إلى أن 80% من الموقع تعرض للدمار بسبب هذه الأنشطة.
ولفت إلى تسجيل وجود 50 حفرة في موقع مملكة ماري حتى نيسان 2013، مع تعرّض قصر الملك ومعابد مهمة فيه لأضرار جسيمة نتيجة الحفر والنهب، ووفق شوحان، تم رصد 70 حفرة غير قانونية في أجزاء مختلفة من موقع تل البصيرة في الريف الشمالي لمنطقة الجزيرة، إضافة إلى أعمال تسوية وتجريف واسعة، موضحاً أن تحليلات الأقمار الصناعية أظهرت أن ما يقارب 67% من المواقع التراثية الدينية في مدينة دير الزور تعرضت لأضرار متفاوتة نتيجة القصف والتفجيرات.
نهب وتهريب
وبيّنت وثائق عُثر عليها في منزل «أبو سياف»، المسؤول عن آثار «داعش» في دير الزور، وجود عمل منظم لتهريب الآثار، حسب شوحان، حيث فرض التنظيم ضريبة خُمس بلغت عائداتها حوالي 265 ألف دولار خلال أربعة أشهر، ما يشير إلى مبيعات إجمالية تقدر بـ 1.3 مليون دولار.


