الحرية – عمار الصبح:
يشكّل التحول الرقمي والتقنيات المساندة أحد الخيارات الحديثة التي أحدثت نقلة نوعية في حياة كثير من أصحاب الهمم، وخاصة شريحة المكفوفين، حيث أسهمت هذه التقنيات في تعزيز مشاركتهم اليومية في مختلف مجالات الحياة، بل وحوّلت التحديات المرتبطة بالإعاقة البصرية إلى فرص حقيقية من خلال الوصول إلى المعلومات والخدمات بسهولة وكفاءة، دون الاعتماد على الآخرين.

نافذة على العالم
واتسعت في السنوات الأخيرة الدورات التدريبية وورش العمل التي اتجهت نحو دمج شريحة المكفوفين بالمجتمع الرقمي، ومساعدتهم على استخدام التقنيات المعاصرة، ومن إحدى هذه المبادرات، ورشة العمل التدريبية التي نظمتها مبادرة « شرف AI» بالتعاون مع مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في درعا، حيث ركزت على تعريف عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية بأدوات التكنولوجيا الحديثة، وتدريبهم على استخدام الهواتف الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يساعدهم على الوصول إلى المعلومات وإنجاز المهام اليومية بفاعلية أكبر.
أسهمت الورشة التي حملت عنوان «نور البصيرة والتكنولوجيا.. تمكين المكفوفين بالذكاء الاصطناعي» في تعزيز استفادة فاقدي البصر كلياً أو جزئياً من التقنيات الرقمية الحديثة، ولا سيما الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي التي أصبحت توفر حلولاً مساندة لهم، وذلك حسب القائمين على المبادرة.
وأشار المدير التنفيذي للمبادرة محمد شرف إلى أن هذه الورش تستهدف دمج ذوي الهمم بالمجتمع الرقمي وفتح فرص أمامهم للتمكين، وردم الفجوات والتحديات التي قد تقف حائلاً أمام اندماجهم، وذلك باستخدام بعض الأدوات التقنية، وأهمها تقنيات الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية الموجودة فيها. وأوضح في تصريح نقلته «الحرية» أن المشاركين تلقوا تدريباً على استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية العاملة بنظام أندرويد، والتعرف على التطبيقات التي تساعدهم في التعامل مع المحتوى الرقمي، مؤكداً أن الورشة لن تكون الأخيرة، وسيصار إلى تنظيم ورش جديدة مستقبلاً حتى الوصول إلى أكبر عدد ممكن من أصحاب الهمم.
وصولاً إلى الاستقلالية
بدوره، بيّن مدرب نظام أندرويد للمكفوفين تيسر أبو عره أن مثل هذه البرامج التدريبية تشكل خطوة نحو تعزيز دمج الأشخاص من ذوي الهمم في المجتمع الرقمي وتحقيق تكافؤ الفرص، مشيراً إلى أن التدريب خلال الورشة ركز على تعليم المشاركين أساسيات التعامل مع الهواتف الذكية من خلال الإيماءات الخاصة بالمكفوفين، واستخدام قارئات الشاشة وتقنيات النطق، إضافة إلى بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المساندة.
وأضاف: «نطمح، وبعد ست جلسات من التدريب، وباستخدام هذه الإيماءات، إلى تمكين المتدربين من استخدام الهواتف باستقلالية تامة، وأيضاً استخدام برامج تقنية محددة تتوافق مع خصوصية المتدربين لتسهيل التدرب والتواصل عن بُعد».
فرص للتمكين
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للترفيه فحسب، بل أصبحت رافعة حقيقية لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، خصوصاً بالنسبة لأصحاب الهمم، الذين يتطلعون إلى مزيد من فرص التمكين المجتمعي، وتجاوز العديد من الحواجز التي كانت تعيق استقلاليتهم ومشاركتهم في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والتعليمية والمهنية.
وفي هذا السياق، ترى أخصائية الإرشاد النفسي والتربوي نسرين العساف أن المحتوى الرقمي المهيأ يشكل أداة تمكين حقيقية، يسهم في تعزيز الاندماج المجتمعي لذوي الهمم من أصحاب الإعاقات، من خلال توفير فرص متساوية للتعبير والمشاركة، وتمكينهم من التعلم المستقل والتطور الشخصي، وتحقيق الشعور بالمواطنة الكاملة.
وأشارت في حديثها لـ«الحرية» إلى أن حجب المحتوى الرقمي عن هذه الشريحة يعد أحد أشكال الإقصاء النفسي والاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، موضحة أن حرمان الشخص الكفيف من الوصول إلى المعلومات أو التفاعل مع المحتوى الرقمي بالشكل المتاح لغيره، يؤثر سلباً على إحساسه بالاستقلالية، ويزيد من مشاعر العزلة والتهميش، خاصة في ظل تحول التفاعل الرقمي إلى جزء أساسي من الهوية الاجتماعية.
تبقى الإشارة إلى أن محافظة درعا شهدت في فترات سابقة تنظيم دورات للمكفوفين، وأبرزها الدورة المتخصصة التي أطلقتها مؤسسة عيون درعا، بالتعاون مع مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي ركزت على تعليم مهارات القراءة والكتابة بنظام برايل للمكفوفين، وذلك في إطار مبادرات مجتمعية تهدف إلى دعم ذوي الإعاقة البصرية وتمكينهم وتعزيز اندماجهم في المجتمع. واستهدفت الدورة الأطفال والشباب والكبار من المكفوفين، بهدف تزويدهم بالمهارات الأساسية لاستخدام نظام برايل الذي يشكل الوسيلة الرئيسة للتعلم والتواصل ومتابعة التحصيل العلمي بمختلف اللغات.