الحرية – مها يوسف:
نستخدم في تربيتنا اليومية عبارات تبدو عفوية مثل «لا تبكِ» و«كبر عقلك»، وذلك بدافع رغبتنا في تعليم أطفالنا القوة وتحمل المواقف. لكن بين تعليم الطفل ضبط مشاعره وبين دفعه إلى كبتها، مسافة تربوية ونفسية تستحق التوقف عندها.
تنظيم المشاعر وكبتها
تبيّن المرشدة النفسية لورين سليمان أن المشاعر بحد ذاتها ليست شيئاً خاطئاً يحتاج إلى الإيقاف، فالطفل من الطبيعي أن يحزن ويخاف ويغضب ويشعر بالغيرة والخيبة، وهذه المشاعر جزء من نموه النفسي، ولا يمكن مطالبته بالتوقف عن الشعور بها.
وترى سليمان أن الفرق الحقيقي يكمن بين تنظيم المشاعر وكبتها، فتنظيم المشاعر يعني مساعدة الطفل على فهم ما يشعر به وتسميته والتعبير عنه بطريقة مناسبة، ثم تعليمه كيفية التعامل معه.
أما الكبت فيحدث عندما تصل إلى الطفل رسالة متكررة مفادها أن شعوره غير مقبول، كأن يسمع «لا يجب أن تبكي» أو «لا يحق لك أن تغضب».
وتشير المرشدة إلى أنه عندما يقول الطفل «أنا زعلان»، لا يكون المطلوب الإسراع إلى إسكات حزنه، بل مساعدته على فهم ما يشعر به، من خلال عبارات مثل: «أنا شايفة إنك زعلان، احكيلي شو اللي ضايقك». وبعد احتواء الشعور، يمكن وضع الحدود للسلوك: «من حقك تزعل، لكن مو من حقك تضرب أخوك».
وهنا يتعلم الطفل قاعدة أساسية في النضج الانفعالي: كل المشاعر مقبولة، لكن ليست كل السلوكيات مقبولة.
عندما يتحول الكبت إلى سلوك
تلفت سليمان إلى أن تكرار منع الطفل من التعبير عن حزنه أو خوفه أو غضبه قد يجعله يتعلم تدريجياً أن إظهار مشاعره أمر غير مرغوب فيه، وأن عليه إخفاء ما يشعر به حتى يحافظ على قبول الآخرين له، وقد يظهر ذلك في صورة طفل يقول «ما فيني شي» رغم حزنه، أو ينسحب ويصمت بدلاً من الحديث عما يزعجه. ومع تراكم المشاعر وصعوبة التعبير عنها، قد تظهر في صورة أخرى، كالعصبية أو العدوانية أو الانسحاب أو صعوبة التواصل أو بعض السلوكيات المزعجة.
وتبيّن سليمان أن الطفل قد تتكون لديه أفكار داخلية مثل «مشاعري غير مهمة» أو «إذا أظهرت خوفي أو حزني سأبدو ضعيفاً».
وفي هذا السياق، تؤكد المرشدة النفسية أن المشكلات النفسية لا تنتج عن عامل واحد، إلا أن البيئة التي تسمح للطفل بفهم مشاعره والتعبير عنها تمنحه مهارة نفسية تساعده على بناء الثقة بالنفس والعلاقات الآمنة.
نحتوي الشعور ونضبط السلوك
وتشدّد سليمان على أن احتواء شعور الطفل لا يعني السماح بكل السلوكيات التي قد تنتج عنه، فالطفل الغاضب يحتاج إلى أن يشعر بأن والديه يفهمان سبب غضبه، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى معرفة أن الضرب أو الإيذاء غير مقبول، وكذلك الطفل الخائف لا يحتاج إلى عبارات مثل «عيب تخاف» أو «ما في شي بيخوف»، وإنما إلى شخص يساعده على فهم خوفه والتعامل معه. أما الطفل الذي يشعر بالغيرة، فتعتبر سليمان أنه لا يحتاج إلى أن يوصف بأنه «أناني»، بل إلى مساعدة في فهم هذا الشعور والتعامل معه بطريقة مناسبة.
وتضيف سليمان أن الطفل عندما يشعر بأنه مفهوم ومسموع، يصبح أكثر استعداداً لتعلم طرق صحية للتعبير عن مشاعره، كأن يقول «أنا غاضب»، أو يبتعد قليلاً عن الموقف، أو يأخذ نفساً عميقاً، أو يطلب المساعدة، أو يرسم ما يشعر به، بما يتناسب مع عمره وقدراته.
أخطاء نرتكبها بحسن نية
كما تحذر سليمان من مجموعة من الأخطاء التربوية الشائعة، وفي مقدمتها الاستهانة بمشاعر الطفل أو السخرية منها، مثل «على شو عم تبكي؟ الموضوع تافه»، أو «أنت رجل وما لازم تخاف»، إضافة إلى مقارنة الطفل بغيره أو تهديده، أو استخدام ما أخبر به أهله عن مشاعره ضده لاحقاً.
ومن الأخطاء أيضاً أن نطلب من الطفل أن يكون هادئاً ومنظماً انفعالياً، بينما يرى الكبار من حوله يصرخون عند الغضب.
وتلفت سليمان إلى أن الطفل يتعلم تنظيم انفعالاته من خلال النموذج الذي يراه أمامه أكثر مما يتعلمه من المحاضرات والنصائح.
وتشدّد على أن تقبل مشاعر الطفل لا يعني تركه حراً في إيذاء نفسه أو الآخرين، إذ يمكن للأهل تفهم غضبه ورفض الضرب في الوقت نفسه، بعبارة واضحة مثل: «أنا فاهمة أنك معصب، وأنا معك، لكن ما رح اسمح لك تضرب».
العمر والشخصية يصنعان فرقاً
توضح سليمان أن طريقة التعامل مع المشاعر تختلف بحسب عمر الطفل وخصائصه الشخصية. فالطفل الصغير يحتاج إلى مساعدة أكبر في تسمية مشاعره وفهمها، بينما يستطيع الأكبر سناً مناقشة أسباب شعوره والتفكير في الحلول الممكنة. كما تشير إلى أن الأطفال ليسوا متشابهين، فالطفل الحساس أو الخجول قد يحتاج إلى مساحة ووقت أطول حتى يتحدث عما يشعر به، بينما قد يحتاج الطفل سريع الانفعال إلى تدريب أكبر على التوقف والتهدئة قبل التصرف.
بيت آمن للمشاعر
تؤكد سليمان أن البيت الآمن نفسياً ليس البيت الذي لا يوجد فيه غضب أو حزن أو خلاف، وإنما الذي يعرف أفراده كيف يتعاملون مع هذه المشاعر والخلافات بطريقة آمنة. وتقترح أن يبدأ الأهل بخطوات بسيطة، أبرزها الاستماع قبل تقديم النصائح، ومساعدة الطفل على تسمية مشاعره، كأن نقول له «مبين عليك زعلان» أو «شكلك خفت من الموقف».
كما تشدد على ضرورة الفصل دائماً بين الشعور والسلوك، فالطفل من حقه أن يغضب، لكن ليس من حقه أن يؤذي، إلى جانب خلق مساحة للحوار من دون سخرية أو تهديد أو تخويف، حتى يشعر الطفل بأنه يستطيع الحديث عن مشاعره وأخطائه من دون أن يخسر حب والديه أو احترامهما. وتلفت سليمان إلى أن الأهم هو أن يكون الأهل قدوة في التعامل مع مشاعرهم. فعندما يرى الطفل والده أو والدته يقولان «أنا متضايق الآن، لذلك سأهدأ قليلاً قبل أن نتحدث»، فإنه يتعلم عملياً كيف ينظم انفعاله.