«تكايا دير الزور».. نافذة لعلوم الدين واللغة والأدب

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- عثمان الخلف:

تحتفظ «تكايا دير الزور» بذاكرة مرحلة من تاريخ المحافظة ألقت بظلالها الطيبة على حياة أهلها، بُنيت على نفقة شيوخ وعلماء المدينة من الحجر الكلسي والجص الأسود، وتضم غرفاً للذكر، ومقابر، وغرفاً للإطعام وإيواء الفقراء والمسافرين، وذلك في أواخر القرن الثامن عشر.

بناؤها

بُنيت أول تكية في دير الزور عام 1885م في حي الشيخ ياسين، على يد الشيخ «أحمد العزي النقشبندي»، وعُرفت بتكية الشيخ ويس، وذلك في حي الشيخ ياسين، ومنها أخذ الشارع الذي يفصله عن حي الحميدية اسمه، فجاءت التسمية «شارع التكايا»، مع ما أعقبه من بناء تكايا أخرى في الحي المذكور، وفق حديث الباحث مازن الشاهين لـ «الحرية» مضيفاً: بلغت مساحة هذه التكية 562 متراً مربعاً، وتم بناء جدرانها من الحجر الكلسي مع الجص الأسود، أما القباب فبُنيت من حجر السهل المتساوي، وجاءت الأعمدة على شكل أميال رخامية تعلوها تيجان منحوتة على شكل وريقات جميلة.
وفي العام 1878م قام الشيخ أحمد الراوي ببناء التكية التي حملت اسمه على نفقته الخاصة، كما يشير الشاهين: «الداخل إلى البناء يجد على يمين المكان التكية وهي غرفة مستطيلة تقام فيها مجالس الذكر، وهناك غرفة أخرى تُعرف بغرفة السبيل حيث تتوافر فيها المنامة والطعام والشراب، وفي الجهة الشرقية من الباحة توجد غرفتان تعتبر مقبرة آل الراوي».
أما العام 1906، فقد شهد بناء تكية الشيخ عبد الله، وذلك على يد الشيخ أحمد النقشبندي الصغير، وتبعد 300 متر عن تكية الشيخ ويس، وهي تشابه تكية الشيخ النقشبندي الكبير من حيث القباب والأعمدة والغرف والصالة، وبناؤها من الحجر الكلسي والسهل مع الجص البلدي.

من أين جاءت التسمية؟

وعن سبب التسمية يوضح الشاهين أن «التكية» جاءت من كلمة التكيئة أي المتكأ، حيث كان يلجأ إليها عابرو السبيل والمسافرون من القرى المجاورة، وكذلك أبناء السبيل لأخذ قسط من الراحة، كما تخرج فيها الكثير من طلاب العلم، ولا ينسى أهالي المدينة ما تقدمه التكايا في شهر رمضان والأعياد، فقد اشتهرت التكايا بتقديم وجبة خاصة بعد صلاة عيد الفطر والأضحى تدعى الحبية، وفي رمضان تقدم التكية شوربة العدس للفقراء من أبناء الحي في ذاك الزمان.

مواقع أثرية إسلامية

اعتمدت وزارة الثقافة في عام 2004م التكايا الثلاث في دير الزور موقعاً أثرياً إسلامياً، لما تحمله من صفات أثرية من ناحية التصميم وشكل المئذنة، ويلفت الشاهين إلى أن المآذن الثلاث للتكايا كانت هدية من السلطان عبد الحميد الثاني، وبُنيت على نفس الطراز، حيث تتألف المئذنة من قاعدة مربعة أبعادها 3.5 × 3.5 متر، وبارتفاع 25 متراً، وبقطر يتدرج من مترين و80 سنتيمتراً في الأسفل إلى مترين و40 سنتيمتراً في الأعلى، لتنتهي بقبة على شكل قلنسوة مصمتة فيها فتحات للتهوية والإضاءة، وتحمل القبة في أعلاها ثلاث كرات معدنية متصلة في نهايتها بهلال معدني.
وتابع قائلاً: «يُصعد إلى المئذنة بدرج دائري داخلي صغير من أصل بناء المئذنة، وقبل نهاية الجزء الأول من المئذنة يتوضع شريط زخرفي بسيط عبارة عن تتالي مربعات إحداها مصمت والآخر مفرغ وبشكل متناوب، تأتي بعدها شرفة المئذنة الدائرية، ويعلو الشرفة الجزء الثاني من المئذنة ولكن بقطر أصغر من القسم الأول».

مدارس دين وأدب

شكّلت التكايا في دير الزور الركيزة الأولى للتعليم الديني والأدبي ونشر العلم والمعرفة، كما يؤكد الشاهين، حيث كانت بمثابة مدارس وكتاتيب فتحت المدينة عينيها من خلالها على العلوم الشرعية والدينية: كحفظ وتجويد القرآن الكريم، وعلوم الفقه الإسلامي، ودراسة العقيدة والسيرة النبوية، كذلك تلقى الطالب فيها علوم اللغة من قواعد اللغة العربية، والنحو، والإملاء، إضافةً لأساسيات التعليم من الأرقام والعمليات الرياضية الأساسية اللازمة للتعاملات اليومية والتجارية.
كما تخرّج من التعليم في التكايا كبار علماء ومثقفي وشعراء المحافظة، ومن أبرزهم شاعر الفرات الكبير محمد الفراتي، والشاعر مصطفى الغدير، ومفتي المحافظة الأسبق قطب الدين الحامدي، ومهيدي الأشرم، والمفكر خليل ملا خاطر، وغيرهم من الأسماء الكبيرة ذات التأثير في تاريخ دير الزور.
هذا وتعرضت التكايا الثلاث لدمار وأضرار متفاوتة، نتيجة القصف الذي طال المدينة إبان الثورة السورية، وما تلاها من استهدافات نفذها تنظيم «داعش» الإرهابي، فيما أعيد افتتاح تكية الراوي في العام 2022، حيث أقيمت أول صلاة جمعة فيها.

Leave a Comment
آخر الأخبار